/ No. 4 July 2014 @ar / السيد محمد منازع علي – من قضايا الخلاف الصرفي في ضوء اللغات السامية

السيد محمد منازع علي – من قضايا الخلاف الصرفي في ضوء اللغات السامية

Administrator on 25/06/2014 - 11:43 in No. 4 July 2014, العدد الرابع: يوليو 2014

من قضايا الخلاف الصرفي في ضوء اللغات السامية

(القلب المكاني)

السيد محمد منازع علي

 

أشار ابن درستويه إلى قضية القلب المكاني في اللغة العربية ، حيث نجده من أبرز المنكرين حدوث القلب فيها – إن لم يكن الوحيد –  ونظرا لأن القلب المكاني واقع في اللغة العربية باتفاق الجمهور فقد رأيناه مصرا على رفضه في مواضع من شرحه لفصيح ثعلب ، ففي مثل  ( شدهت ودهشت ) رد له على ثعلب في ” قوله شدهت وأنا مشدوه أي شغلت ، فليس شُدِهت عندنا بمعنى شغلت كما ذكر ، ولكنه شبيه بقولهم دُهِشت ، يتقارب معنياهما لتقارب لفظيهما لا لانقلاب أحدهما من الآخر كما جعله قوم من اللغويين من باب المقلوب ، ولو كان معناه شغلت كما فسروا لما جاز لهم أن يدّعوا فيه القلب ، كما ادّعوا ذلك في ( جذب وجبذ ) لاشتباههما في اللفظ والمعنى ، لأن شُدِهت ليس بمعنى شُغِلت ، وقد قال الشاعر : ( طويل )

شُدِهْتُ وبيتِ اللهِ إذْ جَاءَ نَعْيُه

   فهذا لا يكون شغلا ، إنما  تحيّرا ودهشا وغما ونحو ذلك ”  [1] .

ولأن ابن درستويه متكلف في رفض القلب المكاني من الأساس فقد تكلف في تأويل ( شدهت ودهشت ) ،  وكذلك نجده يتكلف في رفض ( طبيخ ) مقلوب ( بطيخ ) وعنده البِطِّيخ ” وهي بكسر الأول وتشديد الثاني على بناء فِعّيل ، وهي عربية محضة ، وفيها لغة أخرى  وهي الطبّيخ بتقديم الطاء  ، وليست عندنا على القلب كما يزعم اللغويون ، وقد بينا الحجة في ذلك في إبطال القلب ( كتاب مفقود ) . وفي الحديث ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الطبيخ بالرطب ) كأنه مشتق من الطِبْخ ،  والبِطْيخ من معنى آخر ، وذلك أنه يقال لمكانه الذي يزرع فيه : المَبْطَخة . وجمعها المباطخ مثل المقاثي والمِقْثاة ”  [2]    .

 وقد أشار ابن الجبان إلى أن البطيخ والطبيخ من القلب :  ” ويقال لهذا المطعوم : بّطيخ وطبّيخ وذكر الجرمي أن الأصل بطيخ لأنه يقال لمنبته : مَبْطخة ولا يقال مطبخة ” [3]  .

إن القول بحدوث القلب المكانى قد وقع فيه خلاف كبير بين العلماء القدامى ، فقال معظم اللغويين  بحدوث القلب المكانى مطلقاً بين كل كلمتين اتفقتا فى الأصوات والدلالة لكن اختلف ترتيب الأصوات فيهما ، فى حين قيد النحويون هذا القلب بمجموعة من القيود .

وصاحب الجمهرة يوضح لنا مذهبه فى القول بحدوث القلب المكانى مطلقاً فى : ” باب الحروف التى قلبت وزعم قوم من النحويين أنها لغات ” [4] . ذكر فى هذا الباب : ” قال أبو بكر : وهذا القول خلاف على أهل اللغة والمعرفة ، يقال : جبذ وجذب ، وما أطيبه وما أيطبه ، وربض ورضب الشاة ، وأنبض فى القوس وأنضب ….   ورعملى ولعمرى ، واضمحل وامضحل ، وعميق ومعيق …….. ” [5] .

وفي بطيخ يقول ابن دريد : ” وطبيخ وبطيخ ، وفى الحديث كان النبى ( صلى الله عليه وسلم ) يعجبه الطبيخ بالرطب ” [6] .  وفى صفة السرج واللجام نذكر قوله : ” وقالوا : أسير مكلب ومكبل أى مشدود بالكلاب ، وقال آخر : بل قولهم مكلب مقلوب عن ( مكبل ) “[7]  .

ونشأت هذه القضية عندما ” وجد اللغويون والنحاة أنفسهم أمام طائفة غير قليلة من مفردات اللغة العربية تتميز هذه المفردات باتحاد المعنى واتحاد الحروف مع تقدم بعضها على بعض فشدت هذه الظاهرة انتباههم وأخذوا يدرسونها ويكشفون عن أسبابها ونظامها فاصطلحوا على تسميتها ( بالقلب ) ، وزاد اهتمامهم بها أن أفردها بعضهم بالتأليف كابن السكيت وابن درستويه الذى اشتهر بين العلماء بإنكاره القلب حتى إنه ألف كتاباً سماه ( إبطال القلب ) ، كما تعرض كثير من العلماء فى مؤلفاتهم للقلب كأبى عبيد فى ( الغريب المصنف ) ، وثعلب فى ( أماليه ) ، والزجاجى فى ( شرح أدب الكتاب ) والفارابى فى ( ديوان الأدب ) ، وابن الأعرابى فى ( نوادره ) والأصمعى وابن فارس وابن جنى … إلخ ” [8] .

ولقد انقسم النحاة أنفسهم فى نظرتهم إلى ( القلب ) حيث ” يرى البصريون أن القلب المكانى لا يكون إلا فى مشتقات المعانى ، وينفون وقوعه فى الأفعال والمصادر فهم يقولون بالقلب فى نحو هارٍ وشاعٍ و لاثٍ ولا يقولون به فى مثل : جذب وجبذ لأن ذلك عندهم من اللغات وليس على القلب وعلى هذا المذهب الخليل وسيبويه والمازنى والفارسى وابن جنى وابن عصفور وابن النحاس وأبو حيان والرضى والسيوطى “[9]  .

ذلك فى الوقت الذى سلك فيه الكوفيون طريق أهل اللغة فيرون ” أن القلب المكانى واقع فى الأفعال والمصادر كما هو واقع فى مشتقات المعانى ، فمذهبهم مذهب أهل اللغة ويقولون إن نحو : جبذ ، وجذب يعد من باب القلب وعلى هذا المذهب ابن قتيبة وابن دريد وابن سيدة وابن السكيت ” [10] .

ويتضح مذهب البصريين أكثر من قول سيبويه : ” اعلم أن ما كان فيه قلب لا يرد إلى الأصل ، وذلك لأنه اسم بنى على ذلك ” [11] . وقوله أيضاً : ” وأما جذبت وجبذت ونحوه فليس فيه قلب وكل واحد منهما على حدته لأن ذلك يطرد فيها فى كل معنى ، ويتصرف الفعل فيه ” [12] . ومقياس سيبويه فى هذا أن الفعلين متساويان فى التصريف ، ولكل منهما مصدر مستعمل ومن ثم فليس أحدهما أصلاً لصاحبه .

ويتعرض ابن جنى لذلك أيضاً بقوله : ” اعلم أن كل لفظين وجد فيهما تقديم وتأخير فأمكن أن يكونا جميعاً أصلين ليس أحدهما مقلوباً عن صاحبه فهو القياس الذى لا يجوز غيره وإن لم يكن ذلك حكمت بأن أحدهما مقلوب عن صاحبه ثم رأيت أيهما الأصل وأيهما الفرع ، فما تركيباه أصلان لا قلب فيهما قولهم : جذب وجبذ ، ليس أحدهما مقلوباً عن صاحبه وذلك أنهما جميعاً يتصرفان تصرفاً واحداً … فإن قصر أحدهما عن تصرف صاحبه ولم يساوه فيه كان أوسعهما تصرفاً أصلاً لصاحبه “[13]  .

وواضح أن السبب الرئيس الذي جعل البصريين يقولون بعدم القلب فيما تساوى فيه التصريف هو قضية الأصالة والفرعية .

والأصالة أو الفرعية تدلنا فعلاً على حدوث التطور بشكل مؤكد ، لكن الملاحظة أن القلب المكانى عندما ناقشه العلماء القدامى كان قد أخذ مجراه فى اللغة  بوصفه شكلا طبيعيا من أشكالها بمعنى أنه قد حدث فى أوقات مبكرة جداً وعندما ناقشه هؤلاء العلماء كانت الكلمات المقلوبة قد استغرقت فى نظام اللغة ، ”  ومن الملاحظ أن بعض الكلمات المقلوبة بعد أن تشيع على الألسنة تأخذ مجراها الطبيعى فى اللغة باستعمال باقى المشتقات منها ولأن اللغويين العرب لم يدركوا ذلك حكموا بأصالة بعض المقلوبات “[14]  .

ولم يقتصر الخلاف على مقياس التصريف أو كثرة الاستعمال فحسب بل كان لمقياس اللهجات أو ( اللغات ) بتعبير القدامى دوره فى رفض القلب ، حيث  ذهب ابن درستويه إلى إنكار القلب من هذا  ” وقال النحاس فى شرح المعلقات : القلب الصحيح عند البصريين مثل : شاكى السلاح وشائك وجرف هار وهائر ، وأما ما يسميه الكوفيون القلب نحو جبذ وجذب فليس هذا بقلب عند البصريين إنما هما لغتان “[15]  .

كانت تلك إطلالة بسيطة يتطلبها البحث حول أبعاد الخلاف الذى ألمح إليه ابن درستويه حول القلب المكانى وأصحاب هذا الخلاف من أهل العلم والمعرفة . ومذهب ابن درستويه فى رفض القلب المكانى فى اللغة مطلقاً لا يتفق مع ما يذهب إليه علماء الدرس الصوتى الحديث ، ونظرة المعاصرين إلى القلب المكانى تخطت مرحلة الوصف إلى مرحلة التفسير والتعليل .

وقد ارتضى جمهور العلماء المعاصرين وقوع القلب المكاني وأقروه واقعا ملموسا في اللغة العربية ، ولكن اختلفت آراؤهم فى تفسير القلب المكانى والغالب على ذلك هو ” أن هذه النظرية يمكن تعليلها بنظرية السهولة والتيسير ” [16] .

والقول بالاتساق مع النماذج الشائعة فى تفسير القلب المكانى صاحبه د. إبراهيم أنيس ” فإذا سمع السامع أو نطق الناطق بسلسلة من تلك السلاسل الصوتية القليلة الشيوع تداعت لها مسرعة سلسلة أخرى أشبه بها أو أقرب إليها ، وهى فى نفس الوقت أكثر منها شيوعاً وترديداً فى كلام الناس ، فكأنما كانت تطفو على سطح الشعور ، ولذلك تبادر قبل غيرها فى الاستجابة إلى المتكلم أو السامع ، فحلول سلسلة صوتية محل أخرى وهذا هو القلب المكانى سره الحقيقى أن السلسلة الجديدة الطارئة أكثر شيوعاً ودوراناً فى الكلام من الأخرى ” [17]

وفى توضيح تلك الفكرة يستعين د. أنيس بإحصاءات جهاز الكمبيوتر فيقول : ” خذ مثلاً الفعل ” يئس ” مع مقلوبه ” أيس ” نجد أن التفسير العلمى لهذا القلب هو أننا نجد فى الإحصاءات التى بين أيدينا والتى استخدم فى استخراجها جهاز الكمبيوتر ، وهى الإحصاءات التى ندعوها هنا ( مسطرة اللغوى ) نجد أن الجذر الثلاثى الذى يبدأ بالياء وبعدها الهمزة أقل شيوعاً من الذى يبدأ بالهمزة وبعدها الياء فبينما يرد الأول فى إحصاءاتنا مرة واحدة فقط يرد الثانى عشر مرات ” [18] .

ويلاحظ الباحث أن معظم التعليلات التى ذكرها العلماء يمكن أن تندرج تحت أساس واحد وهو الناحية النفسية التى تتفاعل مع الخطأ والسرعة فى النطق فى معظم الأحيان فالإنسان عندما يتكلم كلاماً ما تسبق العمليات العقلية فى المخ اللسان فى تنظيم أصوات الكلمات التى سينطقها المتكلم ، ويضعها العقل فى ترتيب معين وعندما ينطق الشخص ربما يكون متأثراً بحالة نفسية أو بظرف خارجي ما فيختل هذا الترتيب الذى وضعه العقل ، فينطق الشخص جميع الأصوات التى أعدت مسبقاً لكن باختلاف ترتيب بعضها .

غير أننا نجد من المعاصرين أنفسهم من يصف القلب المكانى بأنه فوضى لغوية ” وكأن هذه الفوضى ميزة يفخر بها العرب على غيرهم ” [19] . وهو رأي لا يقبله المنهج العلمي السليم ، فوصف القلب بالفوضى رفض للتطور اللغوي من أساسه والتطور اللغوي أمر لابد من حدوثه في اللغة لأنها ” كائن حى تحيا على ألسنة المتكلمين بها وهم من الأحياء وهى لذلك تتطور وتتغير بفعل الزمن كما يتطور الكائن الحي ويتغير ” [20] .

ويرفض بعض المعاصرين إقحـام القلب المكانى فى النظام الصرفي العربي ، حيث يرى د. أحمد كشك أنه : ” كان من الممكن أن نجعل الكلمات التي تخص هذا الموضوع دليلاً من دلائل رفضه من نظامنا الصرفي فمن غير المعقول أن يقام بناء صرفي كامل من أجل حفنة من الكلمات نادرة ” [21] .

وسنبحث الآن من خلال الدراسة المقارنة مدى  صدق ابن درستويه في هذين الموضعين :

– رفض ابن درستويه للقلب المكاني .

–  زعمه أن ( بطيخة ) عربية دون إيراد الجذر العربي لها .

ولكي نتحقق من هاتين الزاويتين ينبغي أن نفصل بعض القول فيما يلي :

 ا) : حقيقة القلب المكاني في اللغات السامية :

يتفق علماء الدراسات المقارنة على وقوع القلب المكاني في اللغات السامية بوصفه ظاهرة [22] . واختلفوا – نوعا ما –  في تفسير سبب حدوثها ، فنسبها بروكلمان في أحد المواضع إلى ظاهرة المخالفة dissimilation   حيث ” تمُتّ ظاهرة المخالفة بقرابة شديدة لظاهرة القلب المكاني التي هي عبارة عن تقديم بعض أصوات الكلمة على بعض لصعوبة تتابعها الأصلي على الذوق اللغوي وهي تحدث أولا عند اتصال الأصوات في الكلمة غير أنها غالبا ما تعم في جميع التصاريف عن طريق القياس ” [23] .

ويفهم من كلامه أنه ينسبها إلى الميل إلى السهولة والتيسير ، ويربطها بالذوق اللغوي الذي يستصعب تتابع أصوات الكلمة أحيانا ، أما ربطها بظاهرة المخالفة عنده فلأنها ” تشبه ظاهرة المخالفة في أنها عموما لا تهم ناحية القواعد بقدر ما تهم الميادين المعجمية الصرفية ” [24] .

ويؤكد بروكلمان في موضع آخر على ربط  قضية الميل إلى السهولة بالقلب المكاني لأصوات الكلمة عندما ” يحدث تجاور اثنين من الأصوات ، فأحيانا ما يكون تجاور صوتين من الأصوات غير مريح للجهاز النطقي بحيث يحدث أن يتغير ترتيبهما ” [25] . وأكد أستاذنا الدكتور رمضان عبد التواب  هذا التفسير عندما قال عن القلب المكاني :  ” وهو ظاهرة يمكن تعليلها بنظرية السهولة والتيسير ” [26] .

وتعد قضية الأصل والفرع من القضايا الشائكة في موضوع القلب المكاني  ، ” ومن الصعوبات التي تواجه الباحثين في هذا النوع من الاشتقاق معرفة الترتيب الأصلي من المقلوب ، وقد ذهب بعض القدماء والمحدثين إلى أن الأصل هو الأكثر شيوعا غير أن هذا التأصيل القائم على مبدأ الشيوع لا يصح في المسائل اللغوية التاريخية ” [27] .

وتخدم اللغات السامية بعضها البعض الآخر في معرفة الأصل والفرع بعد حدوث القلب المكاني ، وتتميز اللغة العربية عن غيرها من الساميات بأنها ” كثيرا ما احتفظت بالصورة الأصلية للكلمة مع الصورة الجديدة ، أي التي طرأ عليها التقديم والتأخير ؛ فأحيانا يمكن معرفة أيتهما هي الصورة الأصلية بالرجوع إلى اللغة العربية وحدها ” [28] .

وليس في كل الحالات نستطيع معرفة الأصل من العربية وحدها ” بل إننا إذا قارنا العربية باللغات السامية الأخرى عثرنا على أمثلة حدث فيها القلب المكاني في العربية ، على حين احتفظت اللغات السامية الأخرى بالأصل ” [29] . ويشير موسكاتي في ذلك إلى أن ” بعض الإبدال لا يمكن تبينه إلا بالمقارنة بلغات أخرى ” [30] .

وفضلا عن حدوثه في اللغة العربية واقعا ملموسا فإن النماذج التي سنقدمها للمقارنة بالساميات تسقط نظرية ابن درستويه في إبطال القلب ، حيث لمسنا أمثلة عديدة تتجلى في اللغات السامية تؤكد أن القلب المكاني واقع ملموس فيها أيضا، وقد يحدث القلب المكاني على مستوى اللغة نفسها أو على مستوى أكثر من لغة .

ففي اللغة العبرية نفسها نجد  שִׁלְמָה   هو مقلوب שׁמְלָה   ، ŝamlā←   ŝalmā   ( شَمْلة ) [31]،  وفي السريانية : rehat < hert    ( منحدر ) [32]. وفيها أيضا من الأفعال الشاذة :  رؤِط ( رهِط ) بمعنى ركض ومضارعه يرِؤَط، وذلك أنه في مرة يقال  ؤرَط ( هرَط )  بتقديم الهاء وفتحها بدل رؤَط  [33]

وفي الحبشية ǔ efsent   ʼ←   esfentu  ʼ ( كم عدد ) [34]،  وفيها نسك nsk ونكس nks ( عض ) [35].

وفي العربية الجنوبية يلاحظ دارسو النقوش ورود كلمة ( أولاد ) جمع ولد في بعض النقوش ( أ و ل د ) ،  وفي نقوش أخرى ترد ( أ ل و د )،  ففي نقش  مصدره ظفار ( عمان )  محفوظ في متحف النقوش جامعة برنستون ورد المقطع التالي :

سمعم /  وحشكتهو  /  هموالودهمي …

س م ع م  /   و ح ش ت ك هـ و   /  هـ م و أ ل و د هـ م ي …

وعلق المحلل :  أ ل و د : مقلوب من أول د وهي ظاهرة من اللهجة الحميرية [36] .

وإلى ذلك يشير أصحاب ( قواعد النقوش العربية الجنوبية ) حيث ” ظهرت ظاهرة القلب المكاني في صيغة (ʼafʽl ) ( أفعال ) في الجمع – ولعلها لهجية –  أول الأمر في بعض نقوش المرحلة الوسيطة المكتشفة في المناطق المتطرفة ثم في المراحل الحديثة فمن ذلك (lwd  ʼ   ) بلا من ( wld  ʼ  ) ( أولاد ) كما وردت الصيغتان الفعليتان htb      و thb     في سياقين متقاربين إلى حد بعيد في نقوش المرحلة الوسيطة المكتشفة في محرم بلقيس بحيث يكاد المرء يتصور أن الثانية مقلوبة عن الأولى بالرغم من أن الهاء في كلتيهما دخيلة لأن الجذر هو   (twb) [37].

وتشتهر المقارنات بين اللغتين العربية والعبرية في القلب المكاني في عدد من الكلمات ذكر منها مراد فرج : ( عربيا : قلب – كسب – دحل – سئم – فتش – سعى – لجأ    هي عبريا : بلق – بقش – حدل – مأس – تفس –عسى – جآل ) على الترتيب [38] .

ومنه שׁוֵּע ( شوَع ) ، عربيا :  غوث ( صرخ ) [39].  ومنه  :  العربية  ( حقل)  والعبرية   חלקה   ( حَلْقَاه ) ، والعربية (  باد ) والعبرية  אבד (أبد) ،  والعربية (  رَعِف ) والعبرية   עָרַף  ( عارَف) ، والعربية ( نزح ) والعبرية   זנח (زانَح)   ) [40].    وفي العربية (  حنش ) وفي العبرية נָחָשׁ  [41]. ( ناحاس ) .  وفي العربية شمأل وشأمل هي في العبرية שֳׁמִאל (  ŝāmʼól) [42].

كذلك تشتهر مقارنات عامة بين الساميات أشهرها ( ركبة ) في العربية حيث أثبت المنهج التاريخي المقارن أنها منقلبة عن كلمة ( بُرْكة ) والدليل من قولنا : برك البعير إذا جثا على ركبتيه ، والدليل الآخر من اللغات السامية :

في الأكادية    birku ،  في العبرية       בֶּרֵךּ       bȇreh   ،    في الآرامية     بٌوركا              burka   ، في الحبشية    ብርኮ         berek [43] .

ومن تلك الكلمات التي تتردد أيضا في الدراسات المقارنة : العسل ( دِبس ) :  في العبرية   דְּבַשׁ (dbaŝ )  ،   في السريانية   دِبشُا (  depŝa) ، بينما في الأشورية بالقلب المكاني فهي فيها : diŝpu [44] .

ومن ذلك : في السريانية : تعرا   taʽ ra   ( بوابة ) تصير ترعا ā tarʽ   ، وفي العبرية     תּרַע ṭaraʼ .  ومنه أيضا : في العربية ( ثغر )  ،   وفي العبرية      šaʽar ،  وفي الآرامية       tarʽa [45] .

وفي الأكادية كما يشير د. السيد يعقوب بكر : ” كروب كلمة أكدية الأصل أخذت من karibu … وهو علم على طائفة خاصة من تلك الكائنات الجنيّة المجنحة التي كانت تحرس معابد بابل وقصورها ، ومادة كرب في الأكادية من معانيها ( صلى ) و ( بارك ) … لاحظ القلب المكاني بين مادة ( كرب ) في الأكدية ومادة ( برك ) التي تدل على معنى البركة في العربية والعبرية وغيرها ” [46] .

ومن القلب المكاني أيضا الكلمة العبرية פָּצַר ( فاصر ) هي في الأشورية      parsu بمعنى ( فرض ) [47].   ومنه الكلمة العبرية الحديثة   פָּצַם   ( فاصم ) ( أغلق عينيه ) في السريانية   عَمأ ( عامص ) ، وفي العربية ( غمض ) [48] . والفعل ( رأى ) في العربية يقابله الكلمة المصرية القديمة ( ār) وهي في العبرية רָאָה [49] .( rāʼāh  )

والكلمة السريانية   سرطُا  ( سرطا ) ( سطر ) وفعلها   سرَط  [50] ، ( سَرَط)    هي في العربية سطر ( كتب ) .

والفعل العربي ( جاءوا ) مسندا إلى واو الجماعة وجد في النقش التالي من النقوش اللحيانية ( أجوا )  :

أ س   /    ب ن / ز د ل هـ /  أ ج و / ل ذ غ ب ت / ص ل م …

وقراءته : أوس بن زيد الله جاءوا لذي غيبة صنما  …

وعلّق المؤلف قائلا ” … أ ج و : ( أجو ) فيها تقديم وتأخير للفعل جاءوا وهذه اللفظة تكررت كثيرا في النقوش اللحيانية ، وهي لهجة شمالية تستخدم في بلاد الشام حتى الوقت الحاضر ” [51] .

ومن أشهر ما وقع فيه القلب المكاني في الساميات حرف الجر ( مع ) في العربية ” فهي مقلوبة وأصلها بتقديم العين على الميم لأنها في العبرية ʽim(  עִם ) وفي الآرامية   ʽam( عَم ) ” [52] .( عَم) . وفي العربية الجنوبية ( عم ) أيضا :  عم [53] .في حين نجدها في الأشورية توافق العربية فهي فيها mā [54]   .

ومن الشواهد التي تؤكد حدوث هذا القلب ورودها  ”   في سفر دانيال 7 : 13:

 עִם עָנָנַי שְׁמַיָא               مع سحب السماء  ”  [55] . ( عِم عَانانَي شْمايا )

ومن العرض السابق للمقارنة بالساميات تأكد لنا أن القلب المكاني واقع لغوي تعيشه اللغة منفردة أو يحدث بين اللغات المنتمية إلى فصيلة واحدة وتبقى شاهدة فيما بينها على حدوث القلب ، كما تبقى أداة فعالة في البحث عن المادة الأصلية .

ب : في الأصل  الجزري للفظة ( بِطّيخة ) :

أشار ابن درستويه إلى أن بطيخة عربية محضة وليس لها علاقة بالصورة المقلوبة ( طبيخة ) فكلٌ أصل بذاته  ، ولم يوضح لنا الجذر العربي الذي اشتقت منه أي منهما ، ونظرا لقول الجمهور بالقلب ، فقد سار جمهور القدماء على أن ( بطيخ وطبيخ )   حدث فيهما القلب ، جاء في لسان العرب مادة ” بطخ : البطيخ والطبيخ لغتان والبطيخ من اليقطين الذي لا يعلو ولكن يذهب حبالا على وجه الأرض واحدته بطيخة ” [56].

ولم توضح لنا المعاجم العربية العلاقة بين دلالة ( بطخ ) والبطيخة وهو الحد الذي وقف عنده ابن درستويه ولم يذكر أصله ، وهو السر في اختلافهم حول ( طبيخ وبطيخ ) وجعلهم يقفون حائرين ، فكأن غياب الدلالة عنهم جعلهم لا يستطيعون حسم الجدل الدائر .

  هذا الأمر جعلنا نقف مليّا أمام حرف الخاء في الكلمة وبالبحث في الساميات المقارنة تأكد لنا أن سر الغموض ناشئ بالفعل عن  صوت الخاء الذي جعل الصرفيين يعرضون عن مناقشة الجذر ( بطخ ) بلفظة ( بطيخ ) لما يبدو في ظاهره من بعد في العلاقة بينهما .

بداية نشير إلى أن صوت الخاء  يقع فيه التبادل كثيرا مع أصوات أخرى في اللغات السامية ، يشير بروكلمان إلى حدوث ذلك في الأمهرية ولغات أخرى حيث ” تحولت الحاء والخاء في الأمهرية إلى هاء … وفي العبرية والآرامية تحولت الخاء إلى حاء وفي بعض اللهجات تحولت الحاء إلى خاء وفي بعض اللهجات السامرية والمندعية والسريانية الحديثة وغيرها يختلط النطق بين الحاء والخاء والهاء ” [57] .

والساميات كما يصفها علماء الأصوات المعاصرون ” متميزة  بالأصوات الحنجرية ، وتقسم الأصوات الحنجرية إلى ثنائيات صوتية : الحاء والعين ، مع الخاء والغين … ويتبع الفارق بين الصوتين من أعلى أو أسفل موضع اتصال نطقي ينتج عنه هذه الأصوات السامية ” [58] .

وعلاوة على هذه الميزة الصوتية  في اللغات السامية فقد حدث خلط كتابي منذ القدم في الأبجديات السامية بين الحاء والخاء ، يشير أوليري O’Leary إلى ذلك فيقول ” في العبرية والآرامية الصوتان ( ḥ ح ) و (ḫ خ ) ليسا متميزين في الكتابة ، كلاهما ممثلان بـ (   ח  ) حيث يؤخذ كبديل للحاء والخاء ( ḫ – ḥ  ) العربيتين  ، ومثال ذلك في العربية حَفَر ،  هي  في العبرية חָפַר ( ḫāfar )   . وفي العربية : خَفِر ، هي في العبرية  ( חָפֵר  خجل )  ، بدون اختلاف في النص المكتوب ” [59] .

ويؤكد رايتW.Wright  ذلك ويضيف ” أنه ليس من السهل أن تثبت وجود ( خ ) بوصفه متميزا عن ( ح ) في العبرية لأن اليونانيين لم يضعوا مكافئا دقيقا لكلا الصوتين ،   …..   مثال ذلك اسم النهر (חָבוׂר ) ينطق في مكان ( الخابور ) وفي آخر ( الحابور ) ” [60] .

كذلك نجد هذا الخلط في نقوش تيماء الآرامية  حيث ” تشير الحاء والخاء إلى رمز كتابي واحد في شكل الحرف الآرامي في نقوش تل حلف والفخيرية الآرامية ” [61] .

ومن ثم وقع تبادل بين صوتي الحاء والخاء في اللغات السامية كان من ضمن أسبابه طبيعة الأبجديات ، يؤكد ذلك لندبرج  Lindberg   الذي يرى أن  ” تبادل الحاء والخاء ربما يرجع إلى عدم وجود نظير لهما في أبجدية لغة ما في وقت ما ” [62] .

والسر الصوتي في ذلك يوضحه لندبرج Lindberg ويرجع إلى الصوت الحلقي الحاء حيث يخرج من قناة ضيقة تنقل للأمام في بعض اللغات السامية حيث الحنك الرخو وهو موضع صوت الخاء [63] .

وربما توجد أصوات في العربية لا نجد لها نظيرا في أخواتها الساميات صوتيا أو أبجديا أو تجد لها مقابلا يُستبدل به ، وصوت الحاء في الآرامية مثلا ” هو صوت حلقي احتكاكي يقابله في العربية الصوت نفسه ، وقد يقابله الخاء أو العين أو الغين ، أو الضاد أو الهاء ” [64] .

وعلى ذلك لا نجد صوت الخاء الأصيل  إلا في العربية والحبشية والأشورية  ، ونابت عنه الحاء في العبرية والسريانية [65] .

أريد أن أخلص من هذا إلى أننا وجدنا اللغات السامية قد خلطت تخليطا واضحا بين صوتي الحاء والخاء ومن ذلك ما نجده ” سمة من سمات النبطية والمندعية في الخلط بين أصوات الحلق ( ح ، هـ ، ء ، ع ) مثل العربية تماما ” [66] .وما نجده في العبرية والآرامية حيث ” تتحول الحاء   إلى خاء  كثيرا وكذلك الكنعانية أيضا [67] . كذلك الخاء في العربية الفصحى سنجدها في العبرية ( ح ) وفي الأكادية ( خ ) وفي الآرامية ( ح ) وفي الحبشية ( خ ) وفي العربية الجنوبية ( خ ) [68].

ونقدم أمثلة تؤكد هذه الإبدالات ، فكلمة حصن في العربية هي في السريانية  ḫsn   [69] .  وفيها نجد الحيت ( ح ح ) تارة تقابل الحاء في العربية وتارة تقابل الخاء نحو  :

حَمرا خمر ( ḥamro)   ،  حَلُا خل ( ḥalo) [70].   ونحو :  دبَح ذبح ( dabaḥ)   ، حبَش حبس ( ḥabaŝ)  ،  حطَف خطف ( ḥtap) ،  حَلَط خلط ( ḥlat) ،  حنَق خنق ( ḥnaq)  ،  حرِب  خرب ( ḥreb)  [71] .

وكذلك في العبرية حيث نجد الحيت العبرية ח  يقابله في العربية الحاء أو الخاء مثل  [72] :

חָלָב  : حلب       ḫālāb       ( بالخاء )  ،  חָרַב    خَرِب        ḥārab       ( بالحاء )

والفعل ( أخذ ) في الساميات المختلفة بالخاء أو بالهاء لكنه في العبرية والسريانية والآرامية والسامرية بالحاء [73]  :

سبئي :  أخذ         

 أثيوبي :       ʼaḫaz       

أشوري :   aḫazu                ʼ

مندعي : אהיד      ʼahȋd                           

سرياني : احز          ʼaḥaz

عبري : אחז  ʼaḥaz                                             

 سامري : אחד      ʼaḥad

ومن   ذلك أيضا : العدد ( خمس ) فهو بالخاء في العربية والحبشية والأشورية ، وبالهاء في المندعية وبالحاء في الأخريات [74]  :

سبئي :  خمس

أثيوبي :         ḫams

أشوري :                 ḫamŝu

مندعي :   האמשׁא hāmiŝa

سامري :      חָמשׁ   ḥāmeŝ

عبري :       חָמַשׁ   ḥāmaŝ

سرياني :   حَمشُا     ḥamŝā

هذا الخلط بين الحاء والخاء لفت انتباه الباحث  نحو ( بطيخة ) واشتقاقها  ، ولما لم نجد أصلا لكلمة ( بطيخة ) بالخاء في اللغة العربية يشير إلى دلالتها المعروفة من أنها فاكهة معروفة بشكل معروف  ، فقد بحثنا في الساميات فوجدناها موجودة في السريانية والآرامية والعبرية وتلفظ بالحاء ، الأمر الذي جعل بعض الدارسين يختلفون حول أصل الكلمة آراميا أو سريانيا أو عبريا لكنهم اتفقوا على أن جذرها ( بطح ) هو نفس الجذر العربي الحائي وبنفس دلالاته .

 وبالرجوع إلى لسان العرب نجد : ” بطح : بطحه على وجهه يبطحه بطحا أي ألقاه على وجهه فانبطح … والبطح البسيط … وتبطح فلان : إذا اسبَطَرّ على وجهه ممتدا على وجه الأرض … وسمى المكان أبطح لأن الماء ينبطح فيه أي يذهب يمينا وشمالا ” [75].

ومن هنا انطلق داود الجلبي ووافقه نخلة اليسوعي لينسبا الكلمة إلى الآرامية وجذرها ” فطح  : فطح : بَطَح ، عرض كان عريضا مفلطحا ، ومنها فعل بطّخ ، يقال بطّخت البقرة مثلا إذا ألقت أخثاءها ،  وفي العربية الفصحى : فطحه ( كمنعه ) فطحا جعله عريضا كفطّحه تفطيحا … وفطحت المرأة بالولد رمت به … البَطيحة والبطحاء والأبطح مسيل واسع فيه دقاق الحصيّ . وفي المحكم : فإن اتسع وعرض فهو الأبطح … وفي الصحاح تبطح السيل اتسع في البطحاء … والبطيخ من اليقطين الذي لا يعلو ولكن يذهب حبالا على وجه الأرض واحدته بهاء ” [76] .

وخرّج اللغويون التبادل الحاصل بين الباء والفاء  ، فالفاء في الآرامية تتحول  إلى الباء في العربية  ، وفي ( فطح )  خاصة يشير أحد الباحثين المعاصرين إلى ذلك بقوله : ” وصوت الفاء والباء من الأصوات التي لم تتعرض لتغير مطلق في اللغات السامية بل إن التقارب الشديد في مخرجيهما قد سبب نوعا من التداخل الاستعمالي في بعض الكلمات فتروى بالباء أو الفاء والمعنى واحد ، وقد وقفت الدراسة على لفظة تحول فيها صوت الفاء إلى الباء العربية : الدخيل بطيخ اللفظ الآرامي fatiḥo نوع من الفاكهة المعروفة ” [77] .

ويؤكد اللغويون أن ” صوت الحاء في الآرامية يلفظ خاء في العربية ، وصوت الحاء في الآرامية حلقي احتكاكي يقابله في العربية الصوت نفسه ، وقد يقابله الخاء أو العين أو الغين أو الضاد أو الهاء ، غير أن الحاء تلفظ خاء في بعض اللهجات الآرامية فيلزم الافتراض بأن العربية اقتبست هذه الكلمة من واحدة من تلك اللهجات ” [78] .

وبنفس اللفظ الآرامي تقريبا fatiḥé     فَطٍيِحا       أشار مار أغناطيوس إلى أن اللفظة من الألفاظ السريانية الأصيلة في المعاجم العربية [79] . وبنفس اللفظ عند إيشوبار على [80] . وموجودة أيضا في  الكلدانية وتعطي دلالات  :  بطيخة – كرة – دائرة [81] .

 لكن أغناطيوس يعقوب الثالث قدم لنا الصيغة في اللهجة الآرامية الغربية مؤكدا أنها من السريانية الشرقية العامية دخلت إلى اللهجة السريانية الغربية بلفظ آخر ، حيث رأى أن ” لفظة       بَطٍيكا     Batika بالطاء هي من اللهجة الشرقية العامية أصلها     فَطٍيحا       patiḥa       بالطاء والحاء ، فكما أنها اقتحمت المعاجم العربية ،  كذلك معاجم السريانية الفصحى أيضا وفقت إلى جانب أصلها ” [82] .

 أما مراد فرج فقد نسبها للأصل العبري وإن فسّرها نفس التفسير الدلالي من الجذر العربي ( بطح ) فيقول : ” والبطيخ : أَبَطّيَح  ، فتحان بكسر مشدد ممدود ففتح … وهو بصيغة الجمع ( أبَطّحِيم ) ثم هو من جملة ما اشتهاه بنو إسرائيل بعد هجرتهم من مصر ، وظاهر أنه من معنى كونه ينبطح يذهب على وجه الأرض ” [83] .

فاللفظة في العبرية     אבטיח   ( أَبَطّيح )  ، وفي الآرامية    אבטיחא  ( أبطيخا )  .     وقد أكد الباحثون أن  اللفظة قد ”  وردت في سفر العدد ( 11 : 5 ) بصيغة الجمع :

(  זָכַרנוֹ אֶת־הַדָגָה אֲשֶׁר־נאכַל בְּמִצְרַים חַנָם אֵת הקשׁאים וְאֵת הָאבטחים  )

( زكرنو  إت  هَدَجه    أشِر   نؤكل    بمصريم    خَنّم    إت   هقشئيم    وإت   هـ أبطخِيم )

 ”  وترجمته : تذكرنا السمك الذي كنا نأكل بمصر مجانا والقثاء والبطيخ … وهي في الترجوم الآرامي لهذه الآية هكذا :

 ( דְכִירִין אֲנַחְנָא יָת נוּניָא דהוינָא אָכְלין  במצרים מַגָן  יָת בּוציניא וְיָת אֲבטִיחַיָא )

( دكيرين   أنخنا    يت    نونيا    دَهَو    ينا     آكلين    بمصريم    مَجَن     يَت   بوصينيا    وَيت   أبَطيَحَيا ” [84] .

تنتهي من هذا العرض إلى أن لفظة بطيخة هي لفظة سامية شمالية سواء أكانت سريانية أم آرامية أم عبرية دخلت إلى العربية في عصور مبكرة بنفس اللفظ مع بعض الإبدالات الصوتية التي تدور في العادة بين تلك اللغات ، وهي تعود إلى جذر جزيري أصيل يشير إلى الانبطاح ،  وهو من طبيعة هذا النبات … وبالتالي تسقط حيرة أسباب عجز القدامى في تصريف اللفظة .

أما الصيغة المقلوبة ( طبيخ ) فليست أصلا مستقلا كما زعم ابن درستويه بل هي صيغة مستحدثة لا علاقة لجذرها طبخ بدلالة البطيخ  ، مما يدل على أنها مقلوبة بالفعل ، وبالنظر في الساميات  كي نتأكد من دلالة الجذر الثاني ( طبخ ) وجدنا  هذا الجذر يعطي دلالة الذبح :

عبري : טָבַח  (ṯābaḫ) ( ذبح )     –  فينيقي : טבח  ṯābaḫ

أشوري : ṯabāḫu           –  وآرامي : טִבַח   ṯebeḫ

حبشي :    ذبح [85] . (  طَبحَ ) ،    هذه أفعال سامية أما الاسم منها فهو عبريا טִבְחָה  (ṯebḫā) ويعني مذبوح [86] .

وبذا يتضح للباحث وقوع القلب المكاني بالفعل في بطيخة – طبيخة ، والأولى أصل  ؛ لما له من اشتقاق جذري سامي أصيل ، والثانية فرع مقلوب لغياب الدلالة المماثلة لمادته ، ومعه ومع كل المعطيات السابقة تسقط نظرية ابن درستويه في رفض القلب المكاني في العربية .

 

 

الهوامش


[1] –  تصحيح الفصيح و شرحه ، أبو محمد عبدا لله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان الفسوي الفارسي ( ت 347 ھ ) ، حققه الدكتور محمد سالم المختون ، من مطبوعات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، القاهرة ، 1998 م .

, 95 – 96

[2] – تصحيح الفصيح و شرحه ، 313

[3] – شرح الفصيح في اللغة ، أبو منصور محمد بن علي بن عمر بن الجبان الأصبهاني الرازي ( توفى بعد 416 ھ ) ، دراسة و تحقيق الدكتور عبد الجبار جعفر القزاز ، دار الشئون الثقافية العامة ، بغداد ، 1991  ., 225 – 226

[4] – جمهرة اللغة ، لأبى بكر محمد بن الحسن بن دريد ، تحقيق وتقديم  د. منير رمزى البعلبكي ، بيروت ، دار العلم للملايين ، 1987 – 1988 .  3/1253

[5] – الجمهرة ، 3/1253

[6] – الجمهرة ،  3/1253

[7] –  صفة السرج واللجام ،  لأبى بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدى ، حققه واستدرك عليه د. مناف مهدى محمد ، معهد المخطوطات العربية ، القاهرة، 1992 م . 64 ،   وانظر أمثلة أخرى فى الاشتقاق : ( 21- 284- 327- 522)  .

[8] – فى فقه اللغة ، د. عبد الله ربيع ، د. عبد العزيز علام ، القاهرة ، المكتبة التوفيقية ، 1976،ص 131 ، وكتاب   ( إبطال القلب ) لابن درستويه مفقود   

[9] – ظاهرة القلب المكانى فى اللغة العربية ، د. عبد الباسط محمد الطاهر محمد ، القاهرة ، 1998. 11، وانظر كذلك : القلب المكاني أثره في نمو اللغة ، د. أحمد السيد السيد الحديدي ، المنصورة ، دار النيل للطباعة والنشر ، 1996 م .ص 47 .

[10] – ظاهرة القلب المكانى فى اللغة العربية ، 12، القلب المكانى وأثره فى نمو اللغة ، 47 .

[11] – الكتاب ، لسيبويه ، تحقيق عبد السلام هارون ،عالم الكتب  بيروت 1983، 3/465 .

[12] – الكتاب ، 4/ 381 

[13] – الخصائص أبو الفتح عثمان بن جني ( ت 392 هـ) , تحقيق محمد على النجار ، المكتبة العلمية  ، دار الكتب المصرية بالقاهرة 1952 – 1956 م .2/ 69 – 70

[14] –  التطور اللغوي مظاهره وعلله وقوانينه ، رمضان عبد التواب , ط3 ، الخانجي ، القاهرة ، 1997 م . 93  ، لحن العامة والتطـور اللغوى ، د. رمضان عبد التواب ، القاهرة ، دار المعارف ، 1967 م ، 48 .

[15] – انظر : المزهر في علوم اللغة وأنواعها ، عبد الرحمن جلال الدين السيوطي  , شرحه وضبطه وصححه وعنون موضوعاته وعلق حواشيه محمد أحمد جاد المولى ، محمد أبو الفضل إبراهيم ، علي محمد البجاوي . مكتبة دار التراث ، القاهرة د.ت .  1/ 481 . 

[16] – لحن العامة والتطور اللغوى ، د. رمضان عبد التواب ، 48 ، التطور اللغوى مظاهره وعلله وقوانينه ، د. رمضان عبد التواب ، 89 ، التطور النحوي للغة العربية ، محاضرات ألقاها المستشرق الألماني برجشتراسر, أخرجه وصححه وعلق عليه رمضان عبد التواب ، ط4 ، الخانجي ، القاهرة 2003 .  35 ، علم اللغة بين القديم والحديث ، د. عاطف مدكور ، القاهرة ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، 1986    ص 250  . – وانظر آراء أخرى في تفسير حدوث القلب المكاني  :  الألسنية العربية ، ريمون طحان ، ط1 ،  دار الكتاب اللبنانى ، بيروت   1972 م.، 53 ، اللغة والمجتمع ، د. على عبد الواحد وافى ، القاهرة ، دار نهضة مصر ، 1971 م.   ص 70 . القلب المكانى وأثره فى نمو اللغة ، د. أحمد السيد الحديدى ، 46 .  دراسات لغوية ، القياس في الفصحى والدخيل في العامية ، د. عبد الصبور شاهين – القاهرة ، 1987 م .  305  ، في علم اللغة التاريخي ، دراسة تطبيقية على عربية العصور الوسطى ، د. البدراوى زهران، القاهرة ، دار المعارف ، 1979 م .ص 82 . التطور اللغوي التاريخي ، د. إبراهيم السامرائي ، ط3 ، بيروت ، دار الأندلس 1983 م ، ط بغداد ، 1966 .  120 . دراسة الصوت اللغوي ، د. أحمد مختار عمر ، ط1 ، القاهرة ، عالم الكتب، 1976 م . 335 – 336 .

[17] – مسطرة اللغوى ، د. إبراهيم أنيس ، مجلة مجمع اللغة العربية ، حـ 29 ، ص 10 – 11 .

[18] – مسطرة اللغوى ،  11- 12 .

[19] – التطور اللغوي التاريخي ، د. إبراهيم السامرائي ،.ص 120 ، وانظر المزهر  للسيوطي ، 1/ 476 .  

[20] – التطور اللغوى مظاهره وعلله وقوانينه ، د. رمضان عبد التواب ، 9 .

[21] – من وظائف الصوت اللغوى محاولة لفهم صرفى ونحوى ودلالى ، د. أحمد كشك ط1 ، القاهرة ، 1983 م .

، 44 .

[22]– O. E. Lindberg: Vergleichende  grammatik  der semitischen sprachen,1897 , p 58           انظر :

[23] – فقه اللغات السامية ، كارل بروكلمان ، ترجمة رمضان عبد التواب ،جامعة الملك سعود , الرياض 1977 .

, 80

[24] – فقه اللغات السامية ، 80

[25]  C. Brockelmann: Kurzgefasste vegleichende Grammatik der Semitischen sprachen , element der laut und formen Lehre . Berlin, 1908 .p 130

[26] – التطور اللغوي مظاهره وعلله وقوانينه ، رمضان عبد التواب , 89

[27] – بحوث في الاستشراق واللغة ، إسماعيل أحمد عمايرة ، ط1 ، دار البشر ، عمّان 1996 .  276

[28] – التطور النحوي للغة العربية ، برجشتراسر, 35

[29] – التطور اللغوي مظاهره وعلله وقوانينه ، رمضان عبد التواب , 89 

[30] – مدخل إلى نحو اللغات السامية المقارن ، سباتينيو موسكاتي ، أنطون شِبتلر ،إدفارد أولندورف ، فلرام فون زودن ، ترجمه وقدم له ، مهدي المخزومي و عبد الجبار المطلبي ، عالم الكتب بيروت 1993 .  11

[31] – C. Brockelmann: Kurzgefasste vegleichende Grammatik   , 133   

  / C. Brockelmann:  Semitische sprachwissen schaft , Leipzig , 1906.p, 95 /   C. Brockelmann : Precis de linguistique semitique, Paris, 1910,p 110

[32] – C. Brockelmann: Kurzgefasste vegleichende Grammatik   , 134

[33] – اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية   , 287

[34] – C. Brockelmann:  Semitische sprachwissen schaft , 95 /   C. Brockelmann : Precis de linguistique semitique, 110

[35] – مدخل إلى نحو اللغات السامية المقارن ، 111

[36] – انظر : مختارات من النقوش اليمنية القديمة ، محمد عبد القادر بافقيه ، ألفريد بيستون ، كريستيان روبان ، محمود الغول ،المنظمة العربية للتربية والثقافة العلوم ، إدارة الثقافة ، تونس 1985 .  185

[37] – قواعد النقوش العربية الجنوبية ، كتابات المسند ، ألفريد بيستون، ترجمة رفعت هزيم ، مؤسسة حمادة للخدمات الجامعية ، الأردن 1995 ., 19

[38] – انظر : ملتقى اللغتين العبرية والعربية ، مراد فرج المحامي, ج1 ، المطبعة الرحمانية بمصر ، 1930, 1 / 16

[39] – دروس في اللغة العبرية ، ربحي كمال , ط3 ، جامعة دمشق 1963 م, 581

[40] – انظر :  المعاجم العبرية دراسة مقارنة ، سلوى ناظم ،ط1 ، القاهرة 1988 ., 172

[41] – W.Gesenius: Hebrew and English lexicon of the old testament, Oxford, 1906.p  638

[42] – التطور النحوي للغة العربية ، 36

[43] – انظر : المدخل إلى علم اللغة و مناهج البحث اللغوي ، رمضان عبد التواب ، مكتبة الخانجي القاهرة 1985, 213 / التطور النحوي للغة العربية   , 55 / بحوث في الاستشراق واللغة   , 276 / قاموس كلداني عربي ، المطران يعقوب أوجين منا  , منشورات مركز بابل ، بيروت 1975 .  38.

[44] – انظر : في قواعد الساميات العبرية والسريانية والحبشية ، رمضان عبد التواب , ط2 ، مكتبة الخانجي القاهرة ، 1983 .    247 / مدخل إلى نحو اللغات السامية المقارن ،   111 /   وانظر :

C. Brockelmann : Precis de linguistique semitique, Paris, 110

[45] – انظر في ذلك : مدخل إلى نحو اللغات السامية المقارن ، 111 / وانظر:

C. Brockelmann:  Semitische sprachwissen schaft , 1118

W.Gesenius: Hebrew and English lexicon of the old testament, 95

[46] – الحضارات السامية القديمة ، سباتينيو موسكاتي ، ترجمة وزاد عليه السيد يعقوب بكر , راجعه محمد القصاص ، نشر في لندن 1957 م ، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر ، القاهرة ، د. ت .  304

[47] – W.Gesenius: Hebrew and English  , 823

[48] – W.Gesenius: Hebrew and English lexicon  , 783

[49] – E.A.Wallis: An Egyptian Hieroo-lyphic dictionary , vol 1 , London, 1920.,p 68

[50] – L.Costaz: Syriac-English- French – Arabic dictionary , Dar El-Machreq, Beyrouth,2002., 237

[51] – نقوش لحيانية من منطقة العلا دراسة تحليلية مقارنة ، حسين بن علي دخيل الله , ط1 ، الرياض 2002, 48 – 49

[52] – التطور اللغوي مظاهره وعلله وقوانينه ، رمضان عبد التواب , 90 / دروس في اللغة العبرية ، ربحي كمال , 573 / وانظر:

L.Costaz: Syriac-English- French – Arabic dictionary, 255

[53] – مختارات من النقوش اليمنية القديمة ، محمد عبد القادر بافقيه وآخرون , 88

[54] – C. Forester : The one primeval language traced  experimentally  through  ancient inscriptions in alphabetic characters of lost powers from the four continents , by : The rev . Charles Forester, London, 1854.p  169

[55] – انظر : آرامية العهد القديم قواعد ونصوص ، يوسف متى فوزي وآخر , 121

[56] – لسان العرب / بطخ

[57] – C. Brockelmann : Precis de linguistique semitique, 70

[58] – M.Muller: The languages of the seat of war in the east with a survey of three families of languages , Semitic , Arian, and Turanian , London , 1855.   , p , LXX

[59] – O’Leary:  Comparative grammar of the Semitic languages, London, 1923., 44

[60] – W.Wright: A grammar of the Arabic language, vol 1 , Cambridge, 1896 . p 43

[61]–  نقوش تيماء الآرامية ، سليمان بن عبد الرحمن  الذييب , الرياض ، 2007  . ص50

[62] – O. E. Lindberg: Vergleichende  grammatik  der semitischen sprachen, 1- Lautelhre A. Konsonantismus, Gӧtberg, 1897.p 33

[63] – O. E. Lindberg: Vergleichende  grammatik   , 30  انظر:

[64] – المشترك والدخيل من اللغات السامية في العربية دراسة في الأصوات ، عبد الوهاب محمد عبد العالي , مجلة الساتل جامعة 7 أكتوبر ، مصراتة ، ليبيا ، العدد الثاني يونيو 2007 . ص 87 .

[65] – انظر : دراسة في علم الأصوات ، حازم علي كمال الدين ، مكتبة الآداب القاهرة 1999 م .ص  51

[66] – E.Renan : Histoire generale et systeme compare des languages semitiques , Paris, 1858. p 248

[67] – C. Brockelmann:  Semitische sprachwissen schaft , 64                                                      انظر :

O. E. Lindberg: Vergleichende  grammatik   , 30

[68] – انظر : مقدمة في فقه اللغة العربية واللغات السامية ، عبد الفتاح عبد العليم البركاوي , 80

[69] – O’Leary:  Comparative grammar of the Semitic languages , 45

[70] – انظر : اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية ، إقليميس يوسف داود الموصلي ، دير الآباء الدومنكيين ، الموصل 1879 . ص 62

[71] – انظر : اللمعة الشهية     , 189

[72] – انظر : دروس في اللغة العبرية ، ربحي كمال , 71   .

[73] –  O. E. Lindberg: Vergleichende  grammatik   , 40

 

[74] – O. E. Lindberg: Vergleichende  grammatik   , 40    :      انظر       

[75] – لسان العرب / بطح

[76] – الآثار الآرامية في لغة الموصل العامية ، داود الجلبي الموصلي، مطبعة النجم الكلدانية ، الموصل 1935, 20 / غرائب اللغة العربية ، الأب رفائيل نخلة اليسوعي, ط4 ، المكتبة الشرقية بيروت لبنان ، د. ت, 174 / وانظر:

 W.Wright: Lectures on the comparative grammar of the Semitic  languages , 288 – 94

[77] – المشترك والدخيل من اللغات السامية في العربية دراسة في الأصوات ، عبد الوهاب محمد عبد العالي , 90

[78] – المشترك والدخيل من اللغات السامية في العربية دراسة في الأصوات ، 87

[79] – انظر : الألفاظ السريانية في المعاجم العربية ، مارأغناطيوس إفرام الأول , مجـ 23 ، 328

[80] – Isho.B.Ali: The Syriac –Arabic glasses , 256 ، 244

[81] – قاموس كلداني عربي ، المطران يعقوب أوجين منا  , 61

[82] – البراهين الحسية على تقارض السريانية و العربية ، 123 / وانظر : صفحات  17 – 22 – 77

[83] – – ملتقى اللغتين العبرية والعربية ، مراد فرج المحامي, 2 / 10 – 11

[84] – ملاحظات ومقارنات لغوية ، عبد الرحمن السليمان , ص3 ، في الرابط التالي :

http://www.atinternational.org/forums/showthread.php?t=56&page=3

/ وانظر كذلك :

W.Gesenius: Hebrew and English lexicon of the old testament, 105

[85] – W.Gesenius : , 370

[86] – W.Gesenius:  , 37

Comments are disabled

Comments are closed.