/ No. 1 January 2013 / جان-روني لدميرال – مبرهَنات بين يدي الترجمة. ترجمه محمد الزكراوي

جان-روني لدميرال – مبرهَنات بين يدي الترجمة. ترجمه محمد الزكراوي

Administrator on 13/02/2014 - 00:05 in No. 1 January 2013

مبرهَنات بين يدي الترجمة[1]

كتبه جان-روني لدميرال

ترجمه محمد الزكراوي[2]

ما الترجمة؟

الترجمة حالة خاصة من حالات تماس اللغات: فهي بالمعنى الواسع كلُّ صورة من صور “الوساطة اللغوية”، تمكّن من نقل الخبر بين متكلمين بلغات مختلفة. فالترجمة إنما هي نقل لرسالة من لغة أصل إلى لغة هدف.

وتطلق الترجمة في آن معا على أمرين: على عملية الترجمة، أي على نشاط المترجم (وهذا معناها الحركي)، وعلى حاصل ذلك النشاط، أي على النص الهدف (وهذا معناها السكوني). وقد يتسع معناها فتطلق مجازا على كل تعبير أو تمثيل أو تأويل (كأن يقال: وكان هذا القلق منه مترجما عن حرج أحس به…).

  1.  حرفة الترجمان

الترجمة نشاط إنساني كوني، أمْلَتْه الضرورة في جميع الأزمنة وفي كافة بقاع الأرض، لِما بين الجماعات الناطقة بلغات مختلفة من الاتصالات، سواءٌ أكانت هذه الاتصالات فرديةً أم جماعية، عرَضيةً أم دائمة، ناتجةً عن معاملات تجارية قائمة أم عن رحلات أم مسطّرةً في مواثيق متّفَقٍ عليها (كالمعاهدات المكتوبة بلغتين بين دولتين…). وما من عشيرة – مهما بَعُدَ موطنُها فانطوت عن غيرها – في غنى عن الاستعانة بالترجمة. وفي أسطورة برج بابل[3] ما يشير إلى قِدمها: فقبل مكاتب الترجمة في منظماتنا الدولية بزمن سحيق كان التراجمة لا يُحصَون عددا، من محلَّفين ومرتسِمين[4]، ومن كتبة باللاتينية، ومن تراجمة ناطقين بالنيابة[5] عن الفراعنة وغيرِهم. فهذه الوَساطة اللغوية بين جماعات ناطقة بلغات مختلفة جعلتها دوما في حاجة إلى أن تضم بين ظهرانيها أفرادا يعرفون لغتين، تُناط بهم الترجمة والنطق بالنيابة.

ولذلك يُحصَر معنى الترجمة، بإقامة الفرق بين النطق بالنيابة – أعني هذه “الترجمة الشفهية” التي تكون تارة بعدية وطورا فورية – وبين الترجمة بالمعنى الصحيح، أعني المشتغلة على النصوص المكتوبة. ولئن كانت هاتان العمليتان – على اختلافهما – تشتركان أصلا في مجموعة من الطرائق المتشابهة، فإن مدارس الناطقين بالنيابة والتراجمة تصر على التمييز بين هذين الفرعين تمييزا واضحا.

والترجمان(كالناطق بالنيابة) لابد له من معرفة محكمة بلُغَتَيْ عملِه، وأن يكون واسع الاطلاع في جميع المعارف، وتكونَ له اليد الطولى – متى اشتغل على ترجمة “فنية” – في المجال الذي ينتسب إليه النصُّ المرادُ ترجمتُه؛ ولذلك عليه أن يكون دائب المطالعة كثيرَ النظر… وقد بدا الإجماع قائما على أن اللغة الهدف ينبغي أن تكون دائما هي “اللغةَ الأم”، لأن لكل التراجمة لغتين أصلين: “فالمتكلم يترجم إلى لغته أيضا!”[6]؛ غير أن بعضهم تعللوا بشدة الحاجة إلى التراجمة، وبضرورة مواكبةٍ “مرنة”، استجابةً لتنوع الطلب وتجدده المتواتر، فاشترطوا اليوم في تراجمة الغد “مرونة” من شأنها أن تمكّنهم من الترجمة على سواء بعدة لغات هدف (أي بلغة أجنبية أو أكثر مما ليس بلغة أم). لكن هذا الربح المطلوب تحصيله من تعدد لغات المترجم (والمترجمة) “الصالح لكل شيء” ليس مطلبا معقولا ولا تستطيع الاضطلاع به جملة التراجمة.

أما “التعجيم” و”التعريب”[7] المعتمدان في المدارس فيدرجان عمليات الترجمة في خطة شاملة لتعليم اللغات، ويشتملان على مجموعة من القيود خاصة بهما؛ فهما تمارين تعليمية ليست سوى حالة شاذة، فيهما زَيْغٌ عن الترجمة بالمعنى الصحيح. وذلك أن الترجمة تتوخى إنتاج نص لجمهور، لا لمصحح. والترجمة الحقة (الحقيقية) فعل تواصل، يكون اقتصاده مشروطا بظروف إنتاج الترجمان.

وما أكثر التراجمة الذين لم يتخرجوا من معاهد التكوين المتخصصة، فنشأوا عصاميين. وكثير منهم يتخذون الترجمة حرفة ثانية يستيسرون بها. والتراجمة المنقطعون لها يُستخدمون في مكاتب الترجمة الخاصة والعامة، أو يزاولون حرفتهم عند الطلب، كأنها من المهن الحرة. أما مستعملو الترجمة، ولاسيما دور النشر (وهي بمثابة “المشغّل”)، فلها في الأغلب “مُراجعٌ” خاص تُعرض عليه أعمال التراجمة. وقد اقتضى البعد القانوني للترجمات (ويتجلي مثلا في القضايا المرفوعة أمام المحاكم، وفي المعاهدات بين الدول) استحداثَ هيئاتٍ مختلفةٍ فيها تراجمةُ خبراءُ معتمَدون، مكلفون بالشهادة على صلاحيتها…

ويشتكي الناشرون من كون الترجمات لا تَنفُق في السوق، ومن رداءة التراجمة. ويعيش هؤلاء أحولا اقتصادية قاسية في الأغلب: فهم يُبخَسون أجورَهم وتقهرهم آجالُ العقود التي أبرموها، فيكون منهم أحيانا إهمالٌ للجودة استكثارا للربح. أضف إلى ذلك أن حرفة الترجمان ضعيفة الحظوة في المجتمع. والظاهر أن قانون العرض والطلب، وهو في المبدأ لصالح التراجمة المُجيدين، وأن سوق الترجمة، وهو في اتساع دائم، غيرُ كافيين لإعادة الاعتبار لهذه المهنة.

والترجمة ملكية أدبية محمية في القانون الفرنسي (بموجب قانون 11 مارس 1957). وللتراجمة (في فرنسا) نقابة وطنية (هي الجمعية الفرنسية للتراجمة)، وهي أصل الفيدرالية الدولية للتراجمة.

وقد جرت العادة على تمييز الترجمة الأدبية عن الترجمة الفنية (التقنية). ومرد ذلك إلى الاختلاف بين أنواع النصوص المراد ترجمتها، وإلى الفصل الواقع بين متعاطيهما لأسباب اقتصادية. وذلك أن “الأدبيين” يترجمون كتبا يؤجرون عليها أجرة زهيدة، تبعا لنظام حقوق التأليف (مع حصولهم في المعتاد على قدر من المال مقدّمٍ جزافا)؛ وأن “الفنيين” يؤجرون عليها في الأغلب الأعم رواتبَ تكون أوفر من أجرة أولئك. وليس استحداث جمعية التراجمة الأدبيين بفرنسا، سنة 1973، بعد انفصالها عن الجمعية الفرنسية للتراجمة، إلا نتيجةً لذلك التمييز. وتطلق “الترجمة الفنية” على السواء على ترجمة النصوص القانونية والعلمية وغيرِها وعلى النصوص الفنية المحض؛ أما ترجمة الكتب المنتسبة إلى العلوم الإنسانية فتسمى “ترجمة أدبية”.

  1.  القضايا اللغوية في الترجمة

غالبا ما تعالَج قضيةُ الترجمة في جدال أكاديمي يكون أصحابه على طرفي نقيض: بين الترجمة الحرفية والترجمة الأدبية المسماةِ ترجمةً “حرة”، بين الأمانة والأناقة، بين اللفظ والمعنى. فهذان القطبان، وهما طرفان لا توَسُّطَ بينهما، ويعاد تسميتُهما بأسماءٍ لا نهاية لها، هما اللذان يتعاوران تاريخ الترجمة؛ فتارةً تَرْجُحُ كفّةُ “المعادلة الشكلية”، وطورا كفّةُ “المعادلة الحركية”؛ فإما ترجمةٌ حرفيةٌ وإما “خوائنُ حِسَان”…

ومن الأصول التاريخية للترجمة النصوصُ الدينية، لاسيما الترجمة اليونانية للعهد القديم (وتسمى “النقل السبعيني”) [8]، وترجمة هيرونيمس[9] اللاتينية للعهد الجديد وغيرهما. وما زالت اليوم جمعية الكتاب الأمريكية تنشط نشاطا واسعا مطّردا في الترجمة، يستنهضها إليه العالم اللغوي يوجين نيدا، وكان من المبرَّزين فيها. وللنصوص الأدبية المؤلفة في العصور القديمة نصيب وافر في تراث الترجمة في الغرب: فترجمات الإلياذة والأوديسة شاهدة على ذلك؛ لكنها – على كثرتها – لا تقاس بترجمات الكتاب المقدس. وعلى الترجمات من اليونانية واللاتينية قامت الآداب القومية (الوطنية) الأوربية، ويتجلى ذلك في ترجمة أميوط لمؤلفات افلوطرخس[10]: فلها في فرنسا شهرة وحظوة. وتكشف أعمال مجموعة الثريا[11] عن خط متصل من الترجمة بالمعنى الصحيح إلى الاقتباس الذي لا يزيد شيئا على الاقتداء بروائع القدماء. وقد وضعت ثلة من الكتاب، مثل فاليري لاربو، كتبا في “فن الترجمة”، وصلت إلينا.

ولا يخفى أن الحاجة إلى الترجمة اليوم كثيرةُ التنوع واسعةُ النطاق مطّردة، لاسيما الترجمة العلمية؛ فلذلك تواترت الأبحاث في الترجمة الآلية، منذ الحرب العالمية الثانية.

وليست الغاية من الترجمة سوى أن تُغْنِيَ عن قراءة النص الأصلي – هكذا نرى أنه ينبغي تعريف الترجمة بالمعنى الصحيح. فالمفروض في الترجمة أنها تُحِلّ محلَّ النص الأصل النصَّ “نفسَه” في اللغة الهدف. وعدم تعيّن وجه هذا التطابق وكيفيتِه هو العقبة الكَؤودُ في سبيل وضع نظرية للترجمة؛ فلذلك سموه “معادلة”. فقارنوا، في معالجة أولية منهم لهذه القضية، بين الترجمة والنقل، وهو الذي تصلنا الرسالةُ فيه بسَنَن[12] أصل (هو مثلا ذبذبات المورس الكهربائية)، فنَحُلُّ[13] رموزه ونعيد صياغتها في سَنَن آخر (مستعملين مثلا صورَ حروفِ لغتِنا سَنَناً هدفا). لكن في ذلك إزراءً باللغات الطبيعية واعتباراً لها مجردَ مجموعاتٍ من ألفاظ، وفي أحسن الأحوال مجردَ قوائمَ معجميةٍ، بحيث لا يكون على الترجمة سوى إحلالِ الألفاظ الهدف محلَّ الألفاظ الأصل، وفقا للتطابق المفروض طردا وعكسا بينهما[14]. أجل، تشترك الترجمة والقاموس في أن أصلَهما معا مِثلُ هذه القوائم اللفظية (بألفاظٍ) في لغتين، أو في أكثر من لغتين، تسمى اللوائح المتطابقة (كالمعجم السومري الأكّادي مثلا)؛ وقد انطلقت الأبحاث في “آلة الترجمة” من دراسات في القاموس الآلي؛ لكن الترجمة في الواقع لا تقتصر على القوائم المعجمية وحدها، بل تشتمل أيضا على النحو (أي التركيب)، وعلى دراسة الأسلوب، وعلى كل ما في اللغات المستعمَلة من خصوصيات ذاتية. ولذلك يستعصي النقلُ الحرفي المجرد.

فنظرية الترجمة كيفما كانت تواجه مسألة فلسفيةً ضاربةً في الزمن، هي قضية الذات (ال”هو نفسُه”) والآخر (ال”هو غيرُه”): فعند التحقيق ليس النص الهدف هو النصَّ الأصلَ نفسَه، وليس أيضا هو غيرَه جملةً وتفصيلا… ومفهوم “الأمانة” للنص الأصل هو نفسُه مترجِمٌ عن هذا اللَّبس، بحسب ما كان المراد الأمانةَ للّفظ أو للمعنى.

وهذا الجدال القديم حول “الخوائن الحسان” يتمخض عن تناقض آخر أصيل في الترجمة، هو مسألة استحالة الترجمة: هل كل شيء قابل للترجمة؟ هل الترجمة مستحيلة؟ هل يصح الأمران معا أم أحدهما فقط؟ لا حل لهذه المسائل (في ذواتها ولا على وجه العموم)؛ إنما تصادَف حلول جزئية شيئا فشيئا عند كل عقبة.

لا يمكن إذن صوغُ نظرية في الترجمة بالاعتماد على السَّنن والرسالة، بل باستعمال مفهومي اللغة والكلام، وهما مفهومان من صميم اللسانيات ابتدعهما سوسور، يختلف مستوى صياغتهما الصورية عن الأوّلَين (واللغة هاهنا رصيد من الممكنات اللسانية بين يدي الجماعة؛ والكلام واقع النشاط المستعمِل للّغة). ولئن قال قائل: مفهوم المعادلة يكشف هنا أيضا عن اللبس الملازم للترجمة؛ فالجواب أنها معادلة في الكلام عبر اختلاف اللغات.

وسنسلّم بأن ما هو جدير بأن يترجَم – أي بأن “يُنقَلَ” إبلا لغة هدف – هو ما يتصل بالكلام في النص الأصل، لأننا إنما نترجم ما “قال” المؤلف. أما ترجمة ما هو من قبيل اللغة (أي شكل الدال الصوتي ورسمه الخطي، والقيود النحوية، والعبارات “المسكوكة” وغيرها)، فعلى العكس مِيسَمُه الاختلاف؛ فلذلك إنما تُستبدل بعناصر اللغة الأصل معادِلاتُها في اللغة الهدف.

غير أن تطبيق هذا المبدأ العام متعذر في الواقع. نعم، لا يترددون في ترجمة قولهم بالإنجليزية: I am sorry، بقولهم في الفرنسية: excusez-moi، لأنهما عبارتان مسكوكتان، تنتميان إلى الرصيد الجماعي، أي أنهما وحدات من اللغة يجب اعتبارهما جملةً لا تفصيلا؛ لكن يبدو أنه لا ينبغي أن يكون التعلل بما في الخطاب النظري في “اللغة” الألمانية من نزوع شديدٍ إلى التجريد سبباً في تعرية جملِ النص الألماني بانتظام – عند ترجمته إلى الفرنسية – من جزء من مضمونها النظري…[15]

قد يصعب استخلاص كلام المؤلف في اللغة الأصل التي صيغ فيها؛ وليس ذلك وحسب، بل تضافر (مظاهرة) كل لغة لسياق ثقافي برمته يبيّن أنه لا بد من أن يُدمَج في نظرية الترجمة البعدُ غيرُ اللغوي أو (“شِبهُ اللغوي”)، ويُطلب في علم الإنسان (الأنثروبولوجيا). وإلاّ، فكيف السبيل إلى ترجمة حاسوب أو يخنة إلى اللغة الفولانية؟ أو مفرداتِ حفلِ احتساء الشاي في اليابان، أو هذه العباراتِ الفنيةِ المتداولة في لعبة كرة القاعدة، إلى الفرنسية؟

وسار نيدا على درب سابير ومالنوفسكي، فبيّن أن حل قضايا الترجمة ليس لغويا خالصا، بل كثيرا ما يكون أيضا ذا طبيعة إثنولوجية. فلذلك توسعوا في مفهوم “اللغة”، وهو مفهوم لساني، حتى قالوا “اللغة الثقافة”، وحتى صاغوا مفهوم “اللغة المحيطة”، وفصلوا الموضوعات الثقافية والمقامية والسلوكية الملازمة لها.

والرأي – على وجه العموم – موافقةُ كتفُرد؛ فعنده أن الترجمة مشاكلة “المعنى المقامي” (بحمل معنى اللفظ الإنجليزي context على أوسع معانيه، بحيث يشمل على السواء مقتضى الحال والمقام الخارجي)، أي المعادلة اللغوية أو المقامية، وهي أن يكون للقول الأصل وللقول الهدف “نفس” معناهما عندما “يُطلقان في نفس المقام”. غير أن هذا الاعتبار، وهو اعتبار “عالم الدلالة”، يقتضي لسانيات في الكلام ونظرية في القول.

وفوق ذلك يؤكد أن الصلة بين النظرية اللسانية ونشاط المترجم ليس أن هذه مجرد تطبيق لتلك، كما أن الطب ليس تطبيقا لعلم الحياة. ولن يفتأ اللسانيون – ما لم يخوضوا غمار الترجمة (وما أقل من تعاطاها منهم) – ينتجون خطابا نظريا ليس فيه البتة ما يُرضي التراجمة، لقصوره عن الوفاء بغرضهم. ولهذا السبب يبطل الحديث عن “تقنيات الترجمة” بالمعنى الصحيح.

3. من النظرية إلى التطبيق

واقع الحال أن الترجمة لن تكون أبدا إلا جزئية. فهي فعل تواصل؛ وفي كل فعل تواصل سَقْطٌ معيّن – قلَّ أم كَثُر – في الخبر، أي أن بعضه يضيع. وحرفة المترجم هي أن يختار أقل الضرريْن؛ فعليه أن يميز الجوهري من العرضي. وخيارات الترجمة التي يرتضيها مشروطة بخيار آخر أساسي، هو الغاية من الترجمة، أي الجمهور الهدف، ومستواه الثقافي، ومعرفته أو جهله بالمؤلِّف المترجَم، وباللغة الثقافة الأصلية التي ينتسب إليها. فعلى الترجمة أن تراعي مثلا “اللون المحلي”، أو متعة الرحلة والاغتراب (في الزمان وفي المكان على السواء)؛ فتكون نظارات الترجمان تبعا لذلك إما “زجاجا ملوَّنا” أو “زجاجا شفافا”؛ مثال ذلك أن تترجم اليوناني (πόλις polis، بوليس) بأحد هذين في الفرنسية: (la Cité: المدينة)، أو ( l’Etatالدولة).

وقد ألف فيناي وداربلنت (سنة 1968) كتابا سمياه الأسلوبية المقارنة بين الفرنسية والإنجليزية، هو من أجود الكتب التعليمية الموضوعة في الترجمة، سعى فيه المؤلفان إلى تعريف مفهوم وحدات الترجمة، وأنها ليست كلماتٍ بأعيانها، بل مجموعاتٍ تركيبيةً ذاتَ (تعطي) معنىً؛ فاقترحوا سبعة أنواع من الحلول لعوائق الترجمة.

فإذا وجد المترجم ثغرة معجمية في اللغة الهدف (كأن يقع على كلمة “غير قابلة للترجمة”)، ففي وُسعه أن يلجأ إلى الدخيل الكلي[16]، وهو حل اليائس، لأنه يُدخل [في لغته] الكلمةَ الأصلَ الأجنبيةَ كما هي (دالا ومدلولا)، أو إلى الدخيل الجزئي، وهو أخفُّ (لأنه إنما ينقل المدلول دون الدال). والأغلب في الحالين معا أن الذي يدخل من اللغة الثقافة الأصل ليس هو اللفظ وحسب، بل الشيء نفسه أيضا. وقد يكون للدخيل قيمةٌ أسلوبية في الدلالة على “اللون المحلي”: فقد يفضّل المعرِّب استعمال لفظ كمبيوتر على قسيمه حاسوب، لأن الأول أقدم، ولأن الثاني محصور الاستعمال؛ وفي جامعاتنا رتبة “أساتذة مساعدين”، منقولة على الاتساع (الدخيل الجزئي) من هذه الرتبة نفسها في الجامعات الأجنبية. وبما أن الدخيلين الكلي والجزئي يستوردان مدلولا أصلا، فمن المستحسن توضيح معناه، إما في حاشية وإما بسياق يجلوه (وهو التوضيح كذلك). والترجمة الحرفية (أي حرفاً حرفا) أيضا ممكنة أحيانا؛ وهي أقصى ما يلجأ إليه الترجمان اليائس، لأنها لا تكاد تختلف عن النقل الحرفي في شيء؛ غير أن هذه الترجمة المثالية نادرة جدا.

وبإزاء هذه الحلول الثلاثة “المباشرة” يقترح فيناي وداربلنت أربع طرائق في “الترجمة الموارِبة”. الأولى الاستبدال، وهو يُستبدَلَ بأحد “أقسام الكَلِم” قسمٌ غيرُه[17]، كأنْ يستعمل الترجمان الفعل أحبّ (في عبارات مثل: أحب السباحة، وأحب الحلوى، وأشباهِها) في العربية ترجمةً للجملة الألمانية التي يقع فيها الظرف المخصِّص gern، وبالعكس. والثانية التصرف، وهو استعمال عبارة شارحة مرادفة، بحيث يكون المعنى المعبَّرَ عنه واحدا، مع اختلاف التعبير في اللغتين الأصل والهدف، كأنْ يقول بالعربية ( لا عليك! (أو (لا تبالِ!) ترجمةً للفرنسي: n’y pensez plus!، وللإنجليزي: forget it!. والثالثة المعادلة، وهي أن يؤخذَ القولُ الأصلُ برمته، فيُقترح له معادل هدف من شأنه أن يُستعمل مثلَه في الحالة غير اللغوية (أو شبه اللغوية) نفسِها، ومثاله هذه العبارات المتعادلة (أنا أجوَعُ من زُرْعةَ ( في العربية[18])، وj’ai une faim de loup في الفرنسية)، و (tengo un hambre canina في الإسبانية)، و(ho una fame da caballo في الإيطالية)…

أما الطريقة الرابعة، وهي الاقتباس، فليست من طرائق الترجمة بالمعنى الصحيح بقدر ما هي إشارة إلى حدودها، وذلك أنها الحالة الشاذة، حالة المتشائم، حالة شِبهِ عدمِ القابلية للترجمة، حيث يكون الواقع الذي تحيل عليه الرسالة الأصل منعدما في الثقافة الهدف. وقد أتى له نيدا بأمثلة كثيرة مستمدة من ترجمة الكتاب المقدس، منها تعذر ترجمة مثال شجرة الزيتون إلى لغة لا يُعرَف فيها من هذه الشجرة إلا نوعٌ مسموم لا يؤكل؛ أما اسم الله فالعوائق الحائلة دون ترجمته تحيي فيما يبدو محظورات ضاربة في الزمن…

والواقع أنك لو أنعمت النظر في هذه الحلول السبعة المصنفة لمواجهة عوائق الترجمة لانكشفت لك طبيعتها الشكلية؛ وذلك أن الحلولَ الثلاثة الأُوَلَ المقترحة تقع دون نشاط الترجمان في حقيقته وواقعه، وأن الحل السابع المختتم به يتعدى ذلك النشاط؛ وذلك أن التعريب والاتساع والترجمة الحرفية ليست ترجمة بعدُ، وأن الاقتباس لم يعُدْ بعدُ ترجمة. أما مفهوم “المعادلة” فله صلاحية مفرطة في العموم، بحيث يمكنه أن يدل على عملية الترجمة كيفما كانت؛ ويتعذر على الخصوص فهم المراد بما سمي “الاستبدال” وما يميزه عن عملية الترجمة. وعملية الترجمة هذه هي التي ينبغي تعريفها[19]

  1. آفاق الترجمة

وتقوم مسألة أخرى أعم، تتجاوز هذه العوائق الثقافية الحائلة دون الترجمة، لأنها تعترض سوى نظرية “سياقية” في الترجمة؛ وتلك المسألة هي قضية اللغات الواصفة، حيث لا يحيل المدلول على مسمّى غيرِه، بل يحيل على نفسِه هو. وتتجلى قضية الترجمة هذه بطولها وعرضها في الفلسفة، ولاسيما في الشعر. فلذلك وجب في هذه الحالة تجاوز البعد اللغوي، والرقي إلى شعرية في الترجمة؛ وهذه تقتضي نظرية في “الأدبية”.

والظاهر أن ترجمة الشعر بشعر مثلِه قد عفا عليها الدهر، لأن الإجماع يكاد يقع على أنها محاكاة رديئة لشكل القصيدة الأصلية في قالب مختلف تماما في اللغة الهدف. فيكون “عدم القابلية للترجمة” هنا مضاعفا بزيادة ترجمة شكل الدال على ترجمة الأشكال الأدبية، البلاغية أو العروضية، وهي من قبيل الخصوصية الثقافية.

والمهم هنا هو أن على المترجم ألا يترجم المعنى أو العروض، بقدر ما هي أ، يترجم “الوظيفة الشعرية”، أي الأثر الذي خلفته فينا القصيدة؛ والحق أن ذلك لا يتم إلا بإقحام ذاتيةِ الترجمان، فيصير عندئذ ناطقا بالنيابة، وأيضا “مؤلفا مشاركا” أو كاتبا مُعيدا”. وبعدُ، فهذا البعد الإنساني، هل خلَتْ منه ترجمةُ أبدا؟ وإذا كان كذلك، أفلا الأَوْلى عدمُ الاطمئنان إلى “آلة الترجمة”، لأنها ليست سوى سرابٍ مُهدِرٍ للمال، سوى استيهامٍ يدّعي التقنيةَ العالية، بقيةٍ من أسطورة بابل؟


[1] هذا هو الفصل الأول من كتاب لدميرال: Jean-René LADMIRAL, TRADUIRE: Théorèmes pour la traduction, Petite Bibliothèque Bordas, Paris, 1979, pp. 11-22. . (المترجم)

[2] أستاذ الترجمة سابقا بالمدرسة العليا للأساتذة بمراكش، المغرب. (المترجم)

[3] لا تخفى على أحد قصة برج بابل المذكورة في العهد القديم (في سفر التكوين، XI، 1-9) ففيه أن هذا البرج بناية عالية رفعها الناس تقربا من السماوات. لكن الرب أحب التفرد بعظمته فبلبل الألسن وجعلها أنواعا؛ فخاب سعي الناس، وتفرقت أجناسهم أيادي سبأ. وفي القرآن (سورة القصص، الآية 38): “وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلّي أطّلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين”. (المترجم)

[4] المرتسم: شخص يوكل إليه الاضطلاع بأمر (هو هنا الترجمة)، بموجب عقد رسمي يسمى البراءة. (المترجم)

[5] ترجمنا بهذه العبارة قوله interprète؛ ويسمى اليوم المترجم الفوري، وترجمته تسمى الترجمة الفورية، لأنها ترافق الكلام المراد ترجمته. لكن في زمن الفراعنة لم يكن هذا النشاط كما هو اليوم. فلذلك آثرنا هنا هذه العبارة؛ ومنها أيضا عبارة النطق بالنيابة الآتي استعمالها، في مقابلinterprétation . (المترجم)

[6] أي عندما يشرح ألفاظا في لغته الأم بألفاظ منها: فعندما لا يفهم عنك أحد لفظة أو عبارة تستبدل بهما غيرهما لتبلغه مرادك؛ فتكون قد ترجمت لغتك بلغتك.

[7] هذان اللفظان يقابلان ما يدعى في المدارس الفرنسية على التوالي thème   وversion. وقد اتخذنا فيه لغتنا قياسا للغات العالم أجمع. فتكون كل ترجمة إلى اللغة الأم كيفما كانت تعريبا، وكل ترجمة منها إلى لغة أجنبية كيفما كانت تعجيما. (المترجم)

[8] راجع ابن العبري، تاريخ مختصر الدول، نشر الأب أنطون صالحاني اليسوعي، ط. 2، بيروت، 1958، ص 59. (المترجم)

[9] هو هيرونيموس (Hieronymus باللاتيني) و(Jérôme  بالفرنسي). من آباء الكنيسة وفقهائها. مولده سنة 347م؛ ووفاته سنة 420م. تنسّك مدة بالشام؛ وكان كاتب البابا داماس (382-385). وأشهر ما قام به مراجعته لكتاب العهد الجديد وترجمته إياه إلى اللاتينية ووضعه عليه شروحا. وقد صوره الرسامون تارة متنسكا وطورا معتكفا على العلم في خليته وتارة أخرى رفقة أسد كان خلّصه من شوكة تخز رجله. (المترجم)

[10]  يعقوب أميوط Jacques Amyot من الإنسيين الفرنسيين. ولد سنة 1513 وتوفي سنة 1593. كان مؤدب أولاد هنري الثاني، ملك فرنسا. واشتهر بترجمته لمؤلفات افلوطرخس، وفيات الأعيان (1959) المقالات في الأخلاق (1572) وافلوطرخس Plutarque هذا مؤلف واعظ يوناني ذائع الصيت، من أهل القرن الميلادي الثاني (مولده سنة 46 أو 49؛ ووفاته سنة 125). وصل إلينا من مؤلفاته مقدار ثلثها، صنفها أهل هذا الشأن في مجموعتين: التراجم والمقالات الأخلاقية. (المترجم)

[11] الثريا اسم الكوكبة المعروفة. وهو أيضا في الأساطير اليونانية اسم جوار سبع، أبوهن أطلس، وأمهن فليونة. وقد أحالهن زيوس، أبو الآلهة، يمامات، ضَنّاً بهن عن العملاق أُرْيون؛ ثم جعلهن في زمرة النجوم. وفي التاريخ الأدبي أُطلق اسم الثريا على مجموعات من سبعة شعراء يتنزلون من الشعر منزلة الثريا من السماء. وقد أطلق هذا الاسم أولا على سبعة شعراء اسكندرانيين (سكندريين) على عهد حاكم مصر المقدوني بطليموس الثاني مُحِبّ أختِه (في القرن الثالث قبل المسيح). وقد اختلف المؤرخون في أسماء هؤلاء. وفي سنة 1323 دُعي بهذا الاسم سبعةُ شعراءَ وسبعُ شواعرَ كلهم من الجنوب فرنسي. وأشهر من تسمى الثريا مجموعةٌ من شعراء أواسط القرنِ السادسَ عشرَ، تزعّمها رُنْسار. راجع لفظ Pléiades في قواميس الأعلام. (المترجم)

[12] هذا هو اللفظ الذي شاع استعماله ترجمةً للفظ code. وتُرجم في المنهل بالاصطلاح وبالرمز وبمجموعة الرموز؛ وفي المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات (تونس، 1989) بالنظام الرمزي (والمواضعة والوضع). (المترجم)

[13] في القفطي (128، في ترجمة ربن الطبري) قولُه: “وحل كتبا حكمية من لغة إلى لغة أخرى”. فكأنه أراد: فكّ رموزها واستخرج منها الحكمة التي تنطوي عليها. (المترجم)

[14] هذا هو الوهم الساذج الذي توهمه وارن ويور Warren Weawer في أبحاثه في الترجمة الآلية: فقد عدّ الترجمة مسألة فك للمعمى؛ فقرر في مقاربة أولية أن نص مقالة روسية مثلا إنما هو نص كُتب أصلا باللغة الإنجليزية، ثم “عُمِّيَ” وفق مجموعة خفية من الرموز، ليس على المرء سوى اكتشاف مفتاحها. فلا تعدو الترجمة عندئذ كونها تفك ذلك المعمى، أو على الأصح تنقله.

[15] لكن هذا الصنيع استهوانا مع ذلك عندما ترجمنا بعض نصوص هابرماس وأدورنو وكنط. وذلك أن الأغلب في الفلسفة والعلوم الإنسانية أنها تتجسد في أساليب كتابية شديدة التباين لاختلاف اللغات التي ينطق بها المؤلفون: الفرنسية أو الألمانية أو الإنجليزية، ولاختلاف التراث الفكري الذي ينتسبون إليه. ولعل في هذا مادة لفصل في البلاغة المقارنة للخطابات النظرية، حقيق بأن يضاف إلى المؤلفات التي وضعها أمثال مالبلان (1966) أو فيناي وداربلنت (1968). راجع مفهومي “الزيادة” و”النقص”، وهما من المفاهيم “الصائغة للكلام”.

[16] في لسان العرب (دخل): “وكلمة دخيل: أُدخلت في كلام العرب وليست منه. استعملها ابن دريد كثيرا في الجمهرة”. وقد قلنا الكلي تمييزا له عن قسيمه الجزئي. فكلا المفهومين والعبارتين متقابلان. وفي المنهل: محاكاة لغوية. وفي المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات: اقتراض بالترجمة (الرقم 369) واقتباس بالترجمة (الرقم 1595). ووددنا لو قلنا في الأول “التعريب”، وفي الثاني “الاتساع”، لأن الأول “يعرّب” الكلمة على مقتضى القواعد الصوتية والصرفية في اللغة الهدف؛ وهذا صنيع من صميم اللغات جميعا؛ وهو بعدُ موافق لما قلناه عن “التعريب”، وأنه الترجمة مطلقا من اللغة الأجنبية إلى اللغة الأم؛ فيكون الأول فرعا خاصا تطبيقيا عن الثاني، وهو أصل عام نظري. أما الاتساع فإنما هو توسيع معنى اللفظة بزيادة معنى أجنبي؛ وهو أيضا قديم قدم اللغة؛ وأبرز مثال عليه المعاني الإسلامية التي دخلت اللغة العربية بعد ظهوره، والألفاظ التي نستعملها اليوم للدلالة على مستحدثات العصر (كالسيارة والطيارة والكلية والجامعة وغيرها). (المترجم)

[17] أقسام الكلام في العربية ثلاثة: الاسم والفعل والحرف؛ وفي الفرنسية عشرة، هي: الاسم le nom والفعل le verbe والصفة l’adjectif والضمير le pronom والظرف l’adverbe وحرف الجر la préposition وأداة التعريف والتنكير l’article وأداة التعجب l’interjection وأداة الوصل la conjonction. راجع المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات. (المترجم)

[18] هذا من أمثالهم. ويقال أيضا في المعنى نفسه: أجوَع من كلبة حَومَل، وأجوع من لَعْوةٍ، وأجوع من ذئب، وأجوع من قُراد. (راجع الميداني، مجمع الأمثال،1/186 نشرة محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، لبنان، 1412/1992)؛ و(العسكري، جمهرة الأمثال،1/268  دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1408/1988). (المترجم)

[19] لكن كتاب فيناي وداربلنت، مع ما قيدناه به من قيود، مساعد منهجي نفيس، للكم الهائل من الأمثلة التي يوضح بها الأدوات (أي المفاهيم) المستعملة فيه. أما كتاب مالبلان A. Malblanc, La  stylistique comparée du français et de l’allemand (1966)  فلا يستحق مثل هذا التنويه، لأنه ما زالت تشوبه إيديولوجية لغوية مثالية، موروثة عن فلسفة همبلت، تنزع إلى تخيل “روح الشعوب” وراء “عبقرية اللغة”؛ مع أنه ينبغي الإقرار أن فيناي وداربلنت لم يسلما دائما من هذا العيب أيضا.

Comments are disabled

Comments are closed.