/ No. 1 January 2013 / عبدالرحمن السليمان – رسالة يهوذا بن قريش إلى يهود فاس

عبدالرحمن السليمان – رسالة يهوذا بن قريش إلى يهود فاس

Administrator on 13/02/2014 - 00:32 in No. 1 January 2013

رسالة يهوذا بن قريش إلى يهود فاس

عبدالرحمن السليمان

 يهوذا بن قريش حاخام يهودي عاش في مدينة تاهرت في الجزائر في القرن التاسع الميلادي، وهو أول من أفرد رسالة خاصة من حوالي مائة ورقة يقارن فيها بين اللغة العبرية والآرامية والعربية، إلا أنه كان شديد الإيجاز في عرضه المادة وشرحها، فكان لا يشرح إلا النادر والغريب من الألفاظ فقط. ونسج يهوذا بن بَلعَم (القرن الحادي عشر) على منواله ووضع ثلاث رسائل في علم اللغة المقارن إلا أن أكثرها ضائع. وكان يهوذا بن قريش كتب رسالته باللغة العربية ولكن بالحرف العبري، وموضوعها هو مقارنة المادة اللغوية العبرية الموجودة في التوراة بما يجانسها تأثيليًا من السريانية والعربية بهدف شرح غريبها كما تقدم. ولفهم غرض الكاتب منها أنشر مقدمة رسالته كاملة مشيرًا إلى أن ابن قريش كان يكتب بلغة عربية متوسطة (بين الفصحى والعامية) وهو ما يبدو من الأخطاء الكثيرة التي تميز أكثر كتابات الأدب اليهودي العربي:

 “رسالة يهوذا بن قريش إلى جماعة يهود فاس
في الحض على تعليم الترجوم والترغيب فيه والتغبيط بفوائده وذمّ الرفض به

وأما بعد فإني رأيتكم قطعتم عادات الترجوم[1] بالسرياني على التوراة من كنائسكم وأطعتم على الرفض به جُهالكم[2] المدعين بأنهم عنه مستغنون وبجميع لغة العبراني دونه عارفون[3]، حتى انه لقد ذكروا لي رجال منكم أنهم ما قرؤوا قط ترجوم الخمسة [التوراة] ولا النبيئيم [أسفار الأنبياء].[4] والترجوم أكرمكم الله هو شيء لم يضعه أسلافكم ولا[5] رفض[6] به قدماؤكم ولا أسقط بتعليمه علماؤكم، ولا استغنى عنه أوائلكم، ولا جهل نفعه آباؤكم، ولا فرط في تعليمه سابقوكم بالعراق ومصر وإفريقية والأندلس. ولما ذكرت لبعض من نافر الترجوم منكم ما هو موجود في المقرأ[7] [= العهد القديم] من غرائب[8] وما امتزج من السرياني بالعبراني وتشعب به تشعب الغصون في الأشجار والعروق في الأبدان، تيَقّظ لذلك تيقُّظا شديدا وانتبه له انتباه حديدا وفطن لما في الترجوم من فائدة وما يُدرك به من المنافع الزائدة والتفاسير الرافدة والتبيانات الشاهدة، فندم عند ذلك على ما فاته من حفظه وأسف على عدمه لحلاوة لفظه. فرأيت عند ذلك أن أؤلِّف هذا الكتاب لأهل الفطن وأولي الألباب، فيعلموا أن جميع اللسان المقدس[9] الحاصل في المقرأ قد انتثرت فيه ألفاظ سريانية واختلطت به لغة عربية وتشذذت فيه حروف عجمية وبربرية ولا سيما العربية خاصة فإن فيها كثيرا من غريب ألفاظها وجدناه عبرانيا محضا[10]، حتى لا يكون بين العبراني والعربي في ذلك من الاختلاف إلا ما بين ابتدال الصاد والضاد، والجيمل[11] والجيم، والطِت[12] والظاء، والعين والغين، والحاء والخاء، والزاي والذال. وإنما كانت العلة في هذا التشابه والسبب في هذا الامتزاج قرب المجاورة في البلاد والمقاربة في النسب[13] لأن تِرَحْ أبو ابراهيم كان سريانيا ولابان[14] سريانيا. وكان إسماعيل وقيدار مستعرب من جيل الاختلاف زمان البلبلة في بابل، وابراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام متمسكين باللسان المقدس من آدم الأول. فتشابهت اللغة من قبل الممازجة، كما نشاهد في كل بلد مجاور لبلد مخالف للغته من امتزاج بعض الألفاظ بينهم واستعارة اللسان بعضهن من بعض، فهذا سبب ما وجدناه من تشابه العبراني بالعربي، غير طبع الحروف التي بفتتح بها في أوائل الكلام والحروف المستعملة في أوساط الكلام والحروف التي يختم بها في أواخر الكلام.[15] فإن العبرانية والسريانية والعربية مطبوعة في ذلك على قوالب واحدة وسنأتي على شرح ذلك في مواضعه من آخر هذا الكتاب إن شاء الله. وهذا حين نبدأ بذكر السرياني الممازج للعبراني في المقرأ، ثم نتلو ذلك بذكر الحروف النادرة في المقرأ ولا تفسير لها إلا من لغة المشناة والتلمود، ثم نتبع ذلك بذكر الألفاظ العربية الموجودة في المقرأ[16] وعند ذلك نشرح الحروف التي تساوت بين العبراني والسرياني والعربي في أوائل الكلام وأوساطها وأواخرها وليس ذلك بموجود في لغة من سائر لغات الأمم سوى لسان العبراني والسرياني والعربي. ونكتب ذلك كله على نظام حروف أبجد ونسقها ليسهل بذلك كل حرف مطلوب بسهولة على موضعه إن شاء الله”.[17]

إذن وضع يهوذا بن قريش رسالته عندما بلغه أن قومًا من اليهود المتأثرين بفرقة القرائين رفضوا قراءة الترجوم وهو الترجمة السريانية (الآرامية) المفسرة للتوراة (الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى عليه السلام) ولأسفار الأنبياء (نبيئيم)، فأراد برسالته أن يبرز أهمة اللغة الآرامية وضرورة تعلمها لما في ذلك من فائدة لدراسة النص العبري للعهد القديم وفهمه. ثم وجد أن العربية أيضًا قريبة من العبرية وأنها أكثر فائدة من غيرها لشرح غريب التوراة، فوضع رسالته في ثلاثة أبواب: باب للمقارنة بين الأصول العبرية والأصول السريانية (الآرامية)، وآخر للمقارنة بين العبرية التوراتية وعبرية المشناة والتلمود، وثالث للمقارنة بين الأصول العبرية والأصول العربية. واقتصر في معالجته على وضع قواعد صوتية رئيسية وإيراد المقابلات التأثيلية العربية للكلمات العبرية، كما نلاحظ في هذا المثال:

“الشين [في العبرية] تبتدل بسين في العربي وتبتدل بثاء، فالتي تبتدل بسين مثل שאל [= شأل]: “سأل” [في العربية]” …[18] وأما الشين التي تبتدل بثاء فهي هذه: האשל [= ها أشل]: “الأثل” وهي شجرة …[19]

 ويبدو من المثال أعلاه أنه أول من استنبط هذا القانون الصوتي المطرد، أي مجانسة الشين العبرية للسين (= شَلُوم/سَلام) وللثاء (= شُوم/ثُوم) في العربية، وأورد عشرات الأمثلة بل جرد تحت حرف الشين (= ש) أكثر الألفاظ العبرية التي فيها شين ومقابلاتها  التأثيلية في العربية.   

 

الرسالة ليهوذا بن قريش. الكتاب مطبوع بالعنوان التالي:

 Bargès, Jean Joseph Léandre et Dov Ben Alexander Goldberg: “Rabbi yahuda ben koreisch, Epistola de studii Targum utilitate, B. Duprat et A.Maisonneuve, 1857, Paris.

 



[1]“الترجوم” تعني في سياق العهد القديم: “الترجمة والتفسير”، ترجمة التوراة إلى الآرامية من أجل الصلوات والعبادة. وقد نشأ هذا التقليد بعد موت اللغة العبرية التوراتية وطغيان الآرامية عليها وصيرورتها لغة لليهود. وكان اليهود قبل تدوين “الترجوم” يقرؤون التوراة في كنائسهم بالعبرية ثم يشرحونها مباشرة بالآرامية ترجمة وتفسيرًا. بعد ذلك دون الترجوم. ويبدو أنه كانت ثمة “ترجومات” كثيرة في الماضي، إلا أن اليهود اختاروا منها “ترجومين” اثنين فقط هما “ترجوم أونقيلوس” للتوراة (الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم) و”ترجوم يوناتان بن عوزيل” لأسفار الأنبياء في العهد القديم.

[2]يقصد فرقة القرائين اليهود الذين يرفضون المشناه والترجوم والتلمود وسائر أعمال الأحبار اليهود ولا يعترفون إلا بأسفار العهد القديم. وبما أن “الترجوم” ــ بصفته ترجمة تفسيرية لأسفار العهد القديم ــ من أعمال الأحبار التي تلقي ضوءًا على نص العهد القديم الذي يعتني به القراؤون أيما اعتناء، فلقد أراد يهودا بن قريش أن يبرهن عليهم بأن “الترجوم” الآرامي اللغة يلقي ضوءًا على العهد من الناحية اللغوية أيضًا. فالمقارنة اللغوية العلمية هنا مدخل واسع لمحاججة القرائين وإفحامهم لأن الأمر يتعلق بنص العهد القديم الذي لا يعترفون إلا به فلذلك نسبوا إليه (“قراؤون” نسبة إلى “المقرأ” أي أسفار العهد القديم. وانظر الحاشية رقم 48). أما العربية فلم يحتج إلى البرهنة على ضرورتها لأن القرائين كانوا مستعربين وهم أول من بدأ دراسة عبرية العهد القديم دراسة علمية منهجية بناء على المناهج اللغوية العربية. وعلى الرغم من أهداف بن قريش الجدل مع القرائين إلا أنه وفق في رسالته ــ لأول مرة ــ في مقارنة العربية بالعبرية بالسريانية مقارنة علمية بحتة، نجح فيها من اكتشاف الكثير من القوانين الصوتية التي توسع فيها مروان بن جناح ودونش بن لابراط وإسحاق بن برون فيما بعد، وأقرها كلها علم اللغة المقارن الحديث، فيكون ابن قريش السباق إلى تنظيم المقارنات اللغوية بين اللغات الثلاث التي بنى عليها المستشرقون فيما بعد علم مقارنة اللغات الجزيرية. كما يبدو من رسالته إلى يهود فاس أن القرائيين ـ وهم فرقة نشأت في بغداد ـ كانوا منتشرين في فاس، أو على الأقل كان تأثيرهم ملموسًا في فاس، وهذا مجال خصب للدرس والبحث والتنقير في المراجع.

[3]يقر ابن قريش، شأنه في ذلك شأن جميع اللغويين اليهود قديمًا وحديثًا، بأن أسفار العهد القديم لا تفسر من خلال العبرية وحدها، وأنه لا بد من ولا غنى عن تفسير ما غمض منها من اللغات الجزيرية الأخرى عمومًا، والعربية خصوصًا. والباعث الرئيسي على كتابة رسالة ابن قريش هو البرهنة على هذه الحقيقة ضد القرائين الذين يرفضون تراث الأحبار المدون جله بالآرامية (الترجوم وخصوصا التلمود)، إلا أنه شمل العربية في بحثه لأهميتها القصوى في تفسير أسفار العهد القديم. وقوله “المدعين بأنهم عنه مستغنون وبجميع لغة العبراني دونه عارفون” يشير بصريح العبارة إلى ذلك.

[4]“ترجوم الخمسة”: هو “ترجوم أونقيلوس” للتوراة (الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم). أما “ترجوم النبيئيم” فهو “ترجوم يوناتان بن عوزيل” لأسفار الأنبياء في العهد القديم.

[5](كذا). ورسالة بن قريش، ومنها وهذه المقدمة، مثال أنموذجي “للعربية اليهودية” (Judeo-Arabic)، وهي العربية التي كتب بها جمهور اليهود المستعربين. من مميزاتها الرئيسة: (1) استعمال الأبجدية العبرية بدلا من الأبجدية العربية؛ (2) الكتابة بالعربية كما كانت تحكى وقته وليس بالفصيحة (ويشذ عن ذلك كبار أدباء اليهود مثل مروان بن جناح واسماعيل بن النغريلة وغيرهما).

[6]  يستعمل ابن قريش مصطلح الرفض بمفهومه الإسلامي، ويعتبر بذلك فرقة القرائين “روافض” اليهود لأنهم يعترفون فقط بأسفار العهد القديم ويرفضون جميع سنن اليهود غير المنزلة.

[7] المِقرأ: اسم الآلة من الفعل العبري “قرا” أي “قرأ”. وقد اشتقه اليهود المستعربون من العبرية تأثرا بلفظة “القرآن” في العربية. وقد استعملها القراؤون في البداية، كما استعمل جمهور اليهود المستعربين وقها لفظة “قرآن” العربية ذاتها للدلالة على كتب العهد القديم أيضا.

[8]  يريد: الألفاظ الغريبة.

[9] يسمي اليهود العبرية التوراتية: לשון קדש = /لشون قودش/ أي “اللسان المقدس”.

[10]يقصد أن الفرق بين العربية والعبرية ضئيل جدًا وأنه يمكن استنباط الفروق بسهولة بعد اكتشاف القوانين الصوتية التي أشار إليها بمقارنته بين الحروف العربية والعبرية في الجملة التالية. ويقول (76:1857) بعد ذكره عددا من الألفاظ العبرية التي لها مقابلات تأثيلية دقيقة مثل /מות = مُوت/: “كله عربي”، أي أن מות = مُوت مثل أختها في العربية “مَوْت”، لذلك ما كان يذكر المقابلات التأثيلية العربية للألفاظ العبرية التي لها مقابلات عربية تقابلها لفظا ومعنى مثل מות = مُوت.

[11](جيمل): اسم حرف الجيم في العبرية، وينطق كالجيم المصرية.

[12] (طِت): اسم حرف الطاء في العبرية.

[13] قارن موسى بن عزرا (21:1975): “وأما المقاربة التي بين اللغات العبرانية والسريانية والعربية فبسبب تصاقب الديار وتداني الأمصار، حتى أن لا فرق بينها في أكثر أسماء الجواهر إلا بمقدار اليبس والرطوبة، وسببها اختلاف الأهوية والمياه المتقدم ذكرهما. وعلل أبو إبراهيم ابن برون رضي الله عنه هذا التشابه الذي بين هذه الثلاث لغات بغير هذا التعليل، وما أرى ذلك. على أنه ما قصر في أكثر ما أتى به في تأليفه ذاك الملقب بالموازنة من التقارب بين الأنحاء واللغات في الملتين حتى ذكر ألفاظاً قليلة الكم توافقت [العبرية] فيها [مع] اللغة اللطينية والبربرية، وهذا أمر إنما وقع في ما أظن بالاتفاق”.

[14] (لابان): حمو يعقوب عليه السلام.

[15]يقصد بناء “فعل” في الجذور والأصول اللغوية. ويقصد بقوله “الحروف التي يفتتح بها في أوائل الكلام والحروف المستعملة في أوساط الكلام والحروف التي يختم بها في أواخر الكلام” فاءات الأفعال وعيناتها ولاماتها.

[16]يقصد الكلمات المشتركة بين العربية والعبرية وكذلك الكلمات العربية الدخيلة في التوراة خصوصا في سفر أيوب الذي يرجح أنه كتب أولا بالعربية ثم ترجم إلى العبرية فيما بعد.

[17]يهوذا بن قريش (2:1857).

[18]يهوذا بن قريش (83:1857).

[19]يهوذا بن قريش (87:1857).

Comments are disabled

Comments are closed.