/ No. 3 January 2014 / عبدالرحمن السليمان – اللغات والكتابات الجزيرية

عبدالرحمن السليمان – اللغات والكتابات الجزيرية

Administrator on 13/02/2014 - 01:31 in No. 3 January 2014

اللغات والكتابات الجزيرية

عبدالرحمن السليمان

(أ) اللغات الجزيرية:

من المعروف أن اللغة العربية تنتمي إلى أسرة (اللغات السامية) وأن (اللغات السامية) تنتمي إلى أسرة لغوية أكبر هي أسرة (اللغات السامية الحامية). وتتكون هذه الأسرة اللغوية الكبيرة من لغات استعملتها مجموعات كثيرة من البشر منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد ولا تزال تستعملها حتى اليوم، وفي منطقة تمتد من الجزيرة العربية حتى المغرب، ومن جنوب تركيا حتى إثيوبيا. أشهر تلك اللغات العربية والأكادية والأوغاريتية والفينيقية والآرامية والعبرية والحبشية والمصرية القديمة والأمازيغية.[1]

1. التسمية

ظهر تسمية (اللغات السامية) سنة 1781، وأطلقها المستشرق النمساوي شلوتزر (Schloezer) الذي أخذها عن التصنيف التوراتي للبشر بعد الطوفان، أي نسبة لأبناء نوح وهم: سام وحام ويافث.[2] أما تسمية (اللغات السامية الحامية) التي كانت فيما بعد، فهي مركبة قياسًا بأسرة (اللغات الهندية الأوربية). وهذا التصنيف غير دقيق في جميع الأحوال لأنه يعتبر الفينيقيين الذين يتحدثون لغة “سامية” حاميين لأنه كان بينهم وبين اليهود الذين دونوا التوراة عداوات كثيرة. أضف إلى ذلك أن الزنوج اعتبروا من سلالة حام الملعون، لأن التوراة تنسب إلى نوح عليه السلام لعنته حامًا الذي لم يغط عورة أبيه حسب رواية التوراة[3]، مما برر للغربيين فيما بعد استعبادهم.

ولما كانت تسمية (اللغات السامية الحامية) أثارت جدلاً واسعًا فيما بعد لأسباب لا يتسع هذا الملخص لذكرها، فقد استبدلت في الأوساط البحثية بتسمية (اللغات الأفرو-آسيوية). أما نحن فنستعمل تسمية (اللغات الجزيرية) ونميز بين (اللغات الجزيرية الشرقية) كناية عن أسرة (اللغات السامية)، وبين (اللغات الجزيرية الغربية) كناية عن أسرة (اللغات الحامية).

إن مصطلَح (اللغات الجزيرية) أقرب إلى الحقيقة التاريخية من غيره من المصطلحات المستعملة للدلالة على هذه الأسرة اللغوية المهمة لأن أولئك الأقوام خرجوا جميعهم من شبه الجزيرة العربية كما يذهب أكثر الباحثين إلى ذلك. وهذه التسمية ليست لنا، ذلك أن أول مَن أطلق مصطلَح (اللغات الجزيرية) هو عالِم الآثار العراقي الأستاذ طه باقر في كتابه (من تراثنا اللغوي القديم – ما يسمّى في العربية بالدخيل)، حيث يناقش فيه مصطلح (الأقوام السامية) لشلوتزر بناء على سِفر التكوين، فيقول: “ولذلك، فهي [يقصد التوراة] ليست تأريخًا معتَمَدًا. وإذن، فبماذا نسمّي أولئك الأقوام؟ وموجز الإجابة على ذلك أنه بالاستناد إلى الرأي الذي أصبح حقيقةً مُجمَعًا عليها بين الباحثين الآن، وهي إنّ الجزيرة العربية كانت مهد أولئك الأقوام الذين شملتهم تسمية السّاميين وأبرزهم الأكديون والكنعانيون، والعموريون والآراميون والعبرانيون والفينيقيون وغيرهم، فالاسم الصحيح من الناحية التأريخية والقومية والجغرافية هو أن نُطلق عليهم (أقوام الجزيرة) أو (الجزيريين) أو (الجزريين) أو (الأقوام العربية القديمة)، فقد هاجروا من الجزيرة بموجات مختلفة منذ أبعد من العصور التأريخية إلى الأجزاء المختلفة من الوطن العربي، بحيث يَصحُّ القول: إنّ الأصول العربية فيها تَطغى على تركيب سكّانها وعلى لغاتها”.[4] فالنظرية السائدة في الدراسات (السامية الحامية) ـ وسوف نستعمل من الآن فصاعدًا مصطلح (اللغات الجزيرية) بمشتقاته ـ أن أصل تلك اللغات من الجزيرة العربية، وأن المتحدثين بها هاجروا منها بعد أن تصحرت بداية الألفية الخامسة قبل الميلاد، فقصدوا مواطن الماء والكلأ على ضفاف دجلة والفرات والعاصي في العراق والشام.

كانت حركة هجرة الأقوام الجزيرية من الجزيرة في بداية الألفية الرابعة قبل الميلاد، حيث خرجت قبائل من الجزيرة العربية إلى مصر والمغرب الكبير، واختلطت بالسكان الأصليين في الشمال الإفريقي، فنتج عن هذا الاختلاط القبائل التي كونت الشعوب الجزيرية الغربية وأهمها قدامى المصريين والأمازيغ. فالشعب المصري القديم، والشعب الأمازيغي، تولدا من اختلاط القبائل الجزيرية الشرقية المهاجرة إلى شمال إفريقيا، بالقبائل الأصلية فيها. أما الهجرة الثانية فكانت في أواخر  الألف الرابع قبل الميلاد، وهي هجرة الأكاديين إلى بلاد الرافدين. أما الهجرة الثالثة فكانت هجرة الأوغاريتيين إلى غربي سورية في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد. ويغلب الظن أن الأوغاريتيين كانوا عربًا استعمروا غربي سورية، وكانت حاضرة ملكهم في رأس شمرا غربي سورية. ثم تلت بعد ذلك هجرة الآراميين والكنعانيين إلى بلاد الشام بداية الألف الثاني قبل الميلاد. والكنعانيون هم: الفينيقيون والمؤابيون والعبران. ثم هاجر نفر من عرب الجنوب إلى إفريقيا بداية الألف الأول قبل الميلاد واختلطوا بالسكان الأصلين ونتج عن ذلك الاختلاط الحبشة ثم الإثيوبيون والصوماليون والإريتيريون وغيرهم فيما بعد.

ونتحدث عن أسرة لغوية عندما تكون ثمة قرابة لغوية ثابتة ومطردة المجالات الأربعة التالية: (1) الصوتيات و(2) الصرف و(3) النحو و(4) المعجم. والقرابة اللغوية بين اللغات الجزيرية مطردة اطرادًا تحكمه قوانين صوتية ولغوية عامة.[5]

2. التصنيف

تتكون أسرة (اللغات الجزيرية)، في الحقيقة، من أسرتين رئيستين:

1.2. أسرة (اللغات الجزيرية الشرقية)

تتكون أسرة اللغات الجزيرية الشرقية من الأفرع التالية:

1- الفرع الجنوبي: ويتكون من اللغة العربية البائدة (لغة جنوب الجزيرة العربية أو العربية الجنوبية، بالإضافة إلى الثمودية واللحيانية) والعربية الفصحى (أو العربية الشمالية) والحبشية (الجعزية والأمهرية)؛

2- الفرع الشمالي الشرقي: ويتكون من الأكادية بلهجتيها البابلية والآشورية؛

3- الفرع الشمالي الغربي: ويتكون من اللغات الأوغاريتية والآرامية واللغات الكنعانية (الفينيقية والمؤابية والعبرية) وكذلك الإبلية (على اختلاف بين علماء اللغات الجزيرية في تصنيفها).

وهنالك لهجات كثيرة تفرعت عن اللغات الجزيرية المذكورة أعلاه.

2.2. أسرة (اللغات الجزيرية الغربية)

أما أسرة اللغات الجزيرية الغربية فتتكون من المصرية القديمة ولهجاتها اللاحقة كالقبطية، ومن اللغة الأمازيغية (الاسم الصحيح للبربرية) والكوشية (لغة محكية في مناطق في تشاد ومالي ما إليهما) وبعض اللهجات الأخرى.

والقرابة اللغوية بين أسرتي اللغات الجزيرية الشرقية والغربية ثابتة علميـًا، إلا أنها دون القرابة بين أسرة اللغات الجزيرية الشرقية فيما بينهما نسبةً، ولا تبدو بوضوح لغير المتخصص إلا بعد رد الجذور الثلاثية إلى جذور ثنائية كما نلاحظ ذلك، على سبيل المثال، في الجذر الدال على الإيمان، فهو في كل اللغات الجزيرية الشرقية: /أمن/ وفي اللغات الجزيرية الغربية:/من/. ومعنى هذا الجذر الأساسي في اللغات الجزيرية الشرقية والغربية هو “صدَّق، ثَبَت، ثبت بالإيمان” كما ترى في /أمِنَ/ في العربية، وفي /آمن/. ومثله في الحبشية: /أَمَنَ/ “ثبتَ (بضم الباء)، وفي الحميرية: /أمنت/ “أمانة”، وفي السريانية: ܐܡܝܢ: أَمِين “ثابت، قوي، سرمدي”، وكذلك في العبرية: אמן: آمِن “آمين” وكذلك אמנם: أُمْنَ(مْ) “حقًا”.[6] ولقد وردت الكلمة في اللغات الجزيرية الغربية التي نذكر منها المصرية القديمة /م ن/ “ثبت، صدق” فقط. ومن هذا الجذر اشتق أيضا اسم الإله المصري القديم “آمون” الذي كان يعبد في “نو” والذي ورد في اسم الفرعون “توت عنخ آمون”.[7]

وتعتبر اللغة الأكادية أقدم اللغات الجزيرية الشرقية من حيث التدوين لأنها أول لغة جزيرية دُونت بالكتابة المسمارية التي أخذها الأكاديون عن السومريين. والسومريون هم أقدم الأقوام المعروفين الذين سكنوا جنوب بلاد الرافدين وبنوا فيه أول حضارة في تاريخ البشرية. اخترع السومريون الكتابة المسمارية، وهي أول كتابة في التاريخ أيضـًا. ومن المعروف أن اختراع الكتابة كان الحد الفاصل بين الحقبة التاريخية وحقب ما قبل التاريخ، وهذا من إنجازات السومريين العظيمة.

وتعتبر اللغة العربية الفصحى أو الشمالية (لغتنا الحالية) آخر لغة جزيرية دونت. أما العربية الجنوبية (لغة ممالك سبأ وقتبان وحضرموت وحمير) فقد سبق تدوينها تدوين العربية الشمالية بقرون كثيرة، وتسمى الكتابة التي كتبت بها بخط (المسند) وهي أبجدية مكونة من تسعة وعشرين حرفًا، وهي أبجدية مجهولة الأصل ولا نعرف مراحل تطورها الأولى.

وعلى الرغم من أن العربية الشمالية آخر اللغات الجزيرية تدوينًا إلا أنها احتفظت بجل خصائص اللغة الجزيرية الأم، كالإعراب الذي اختفى من كل اللغات الجزيرية باستثناء الأكادية. واللغة الجزيرية  الأم هي لغة افتراضية تُوُصل إليها بعلم اللغة المقارن (أي مقارنة اللغات الجزيرية ببعضها بعضـًا). ويعلل ذلك بسبب العزلة النسبية التي عاشت فيها  القبائل العربية التي بقيت في الجزيرة العربية، بينما تأثرت لغة القبائل الجزيرية المهاجرة باللغات الأخرى غير الجزيرية التي اتصلت بها وأخذت منها وأعطتها، الشيء الذي أدى إلى حدوث تغيرات لغوية أبعدتها من الأصل الجزيري وهذا ما وقع للأكادية والعبرية والحبشية وغيرها.

ويوجد إجماع بين دارسي اللغات الجزيرية مفاده أن معرفة العربية شرط رئيس لمعرفة اللغات الجزيرية، بما في ذلك العبرية والسريانية. واللغة الجزيرية الأم، وهي لغة افتراضية توصل إليها بمقارنة اللغات الجزيرية على المستوى الصوتي والمستوى الصرفي والمستوى النحوي والمستوى المعجمي كما تقدم، تبدو للباحث وكأنها العربية، بل إنها في حقيقة الأمر ليست إلا العربية تقريبًا .. فلقد أثبت البحث العلمي في علم اللغة المقارن أن العربية ـ وحدها، وبعكس كل اللغات الجزيرية ـ احتفظت: 1. على المستوى الصوتي: بكل الأصوات الجزيرية الأصلية إلا حرفًا واحدًا احتفظت به الحميرية؛ 2. على المستوى الصرفي: بكل الأبنية الجزيرية الأصلية بناءً ولفظًا وكذلك بصيغ الأفعال (أضافت العربية إليها صيغ المجهول باطراد وهذا تطور مخصوص بها)؛ 3. على المستوى النحوي: بالإعراب (بالتنوين وأصله بالتمِّيم ما عدا في المثنى فأصله بالتنوين)؛ 4. على المستوى المعجمي: بكل الجذور الجزيرية الأصلية تقريبًا. والناظر في اللغات الجزيرية وفي اللغة الجزيرية الأم كما تم تصورها وإعادة بنائها في كتب بروكلمان ونولدكة ورايت وموسكاتي وغيرهم (وهي الكتب المرجعية في هذا المجال)، يجد أنها لا شيء إلا العربية تقريبًا. والمتمعن في ذلك يرى بوضوح أن العلاقة التاريخية بين العربية الفصيحة من جهة، وبين اللغات الجزيرية مجتمعة (ما عدا الأكادية في عهودها الأولى أي من حوالي 2800 إلى 2000 قبل الميلاد) من جهة أخرى، ليست أكثر أو أقل من العلاقة الحالية بين العربية الفصيحة من جهة، واللهجات العربية الحالية من جهة أخرى .. وهذه المقارنة مثيرة للاهتمام حقًا، ولقد انتهينا إلى ذلك بعدإجراء مقارنات بين العربية الفصيحة من جهة، وبين العبرية والسريانية واللهجتين الشامية والمصرية من جهة أخرى، سنعالجها في كتاب منفرد. وما ينطبق على المقارنة بين العربية الفصيحة والعبرية والسريانية من جهة، وبين العربية الفصيحة واللهجتين الشامية والمصرية من جهة أخرى، ينطبق على كل اللغات الجزيرية (ما عدا الأكادية في عهودها الأولى أي من حوالي 2800 إلى 2000 قبل الميلاد) وكل اللهجات العربية. مثال: الوزن الجزيري الأصلي (فَعْلٌ):

اللغة الجزيرية الأم

الأكادية:

العربية

العبرية

اللهجة الشامية/المصرية

‘abd-um

‘abd-um

‘abd-un

‘ebed

‘abed

والملاحظ أن العربية والأكادية لغتان معربتان وأن الإعراب في الأكادية بالميم (تـمِّيم) وفي العربية بالنون (تنوين). أما العبرية فأهملت الإعراب مثلما أهملته اللهجتان المصرية والسورية. والنتجية هي التقاء الساكنين (الباء والدال في /عَبْد/) وهذا لا يجوز في كل اللغات الجزيرية. لذلك استغنت اللغات الجزيرية التي أهملت الإعراب من جهة، واللهجتان المصرية والسورية اللتان أهملتا الإعراب أيضا من جهة أخرى، عن مخرج الإعراب (um/un) بإضافة كسرة خفيفة ممالة نحو الـ e بينالباء والدال (‘ebed/ ‘abed) التخلص من التقاء الساكنين. وتشذ السريانية عن ذلك لجعلها أداة التعريف (وهي ألف المد) آخر الكلمة فيقال: عَبْدا = ‘ab-dā مما يلغي مشكلة التقاء الساكنين مع الإشارة إلى أن السريانية ليس فيها إعراب. وقد أدت هذه العلاقة بالمشتغلين باللغات الجزيرية من المستشرقين إلى الاستنتاج بأن جزيرة العرب مهد القبائل الجزيرية وأن العربية حافظت على خصائص الجزيرية الأم حتى كادت أن تكون إياها.

 

3. اللغات الجزيرية الحية

1.3. اللغات الجزيرية الشرقية الحية

لقد اندثر معظم اللغات الجزيرية الشرقية والغربية ولم يبق منها اليوم إلا اللغات التالية:

1. اللغة العربية الفصحى التي لم تتغير أصواتًا وصرفًا ونحوًا منذ تدوينها حتى اليوم. أما الفترة التي سبقت تدوينها، فهي ضاربة في القدم. ولقد رأينا أنها أقدم من الأكادية فيما يتعلق بالخصوصيات اللغوية الجزيرية، علمًا أن تدوين الأكادية يعود إلى مطلع الألف الثالث قبل الميلاد.

2. العبرية الحديثة: أحياها اللغوي اليهودي اِليِعَزَر بن يهودا بداية القرن العشرين، وتبنت ذلك الحركة الصهيونية. ولا شك في أن إحياء العبرية أهم إنجازات الصهيونية العالمية.

3. اللغة الأمهرية: لغة إثيوبيا اليوم. وتكتب بكتابة مقطعية مشتقة من خط المسند الحميري.

4. اللهجات الآرامية: ويحدث بها اليوم حوالي ثلاثة ملايين شخص متوزعين كما يلي: (أ) السريانية: ويتحدث بها اليوم في معلولا وصيدنايا في سورية. ويسمى المتحدثون بها بالمسيحيين السريان. الكلدانية: ويتحدث بها اليوم في القامشلي والمالكية في شمال شرق سورية وفي شمال العراق في منطقة الموصل وزاخو وبطنايا وفي شرقي تركيا في منطقة حسنة وما جاورها. ويسمى المتحدثون بها بالمسيحيين الكلدان. (ب) المندعية: ويتحدث بها في شمال العراق، في منطقة وادي لالش. ويسمى المتحدثون بها بالمندعيين/الصابئة.

2.3. اللغات الجزيرية الغربية الحية

إذا استثنينا القبطية ـ وهي لغة كنسية ـ فإن اللغة الجزيرية الغربية الوحيدة التي لا تزال حية اللغةُ الأمازيغية المحكية هي في مناطق كثيرة في المغرب والجزائر وتونس وليبيا. وتتوزع اللغة الأمازيغية اليوم على اللهجات التالية: 

  1. الجزائر: الأمازيغية، ويتحدث بها في مناطق كثيرة في الجزائر. ومن أشهرها اللهجة الزّْواوِيَّة المحكية في منطقة تِيزِي وِزُّو التي شهدت نشاطًا حركيًا كبيرًا لإحيائها.
  2. الصحراء: القبائلية، ويتحدث بها قبائل الطوارق المنتشرين في الصحراء ما بين المغرب والجزائر.
  3. المغرب: الأمازيغية/السوسية (تَسُوسِيت)، ويتحدث بها في جنوب المغرب. الشِّلحة (تَشِلْحِيت)، ويتحدث بها في جبال الأطلس. الريفية (تَرِيفِيت): ويتحدث بها في شمال المغرب.

أما الكوشية، وهي لهجة جزيرية غربية، فلا تزال مستعملة في بعض نواحي تشاد ومالي.

(ب) الكتابات الجزيرية:

مرت الكتابة عبر تاريخها الطويل في ثلاث مراحل هي:

1. المرحلة الصُّوَرِيَّة

إن أول كتابة ظهرت في التاريخ هي الكتابة المسمارية التي اخترعها السومريون، وهم شعب مجهول الأصل. وكانت الكتابة المسمارية في الأصل كتابة صُوَرِيَّة بمعنى أنه إذا أراد الكاتب أن يكتب الكلمة الدالة على الرجل في لغة القوم فإنه يرسم هيئة الرجل، تمامـًا مثلما نرى في الكتابة الهيروغليفية التي هي أيضـًا كتابة صورية. والفرق بين الكتابتين الصوريتين المسمارية والهيروغليفية يكمن في أن أشكال الكتابة المسمارية تطورت بسرعة لتتخذ أشكالاً مجردة هي أشكال المسامير ـ ومن ثمة تسميتها بالكتابة المسمارية ـ بينما حافظت الكتابة الهيروغليفية على أشكالها الصورية البدائية. وهذا الفرق عائد إلى طبيعة المادة المستخدمة في الكتابة، فلقد استعمل الرافدينيون الطين والماء والقصب في الكتابة، فصنعوا ألواحـًا من الطين مربعة أو مستطيلة، واستعملوا في الكتابة أقلامـًا من القصب كانوا يغرزونها في الطين وهو رطب ويخطون بها ما كانوا يريدون تدوينه من النصوص، ثم كانوا يطبخون الألواح الطينية في التنور حتى تشتد وتصلب لتبقى حتى اليوم. ومن الجدير بالذكر أن غرزة القلم في الطين كانت تكوّن مثلثـًا في اللوح أشبه ما يكون برأس المسمار، تتبعه خطوط مستقيمة نحو الأسفل أو اليسار، مما أدى إلى نشوء أشكال تشبه المسامير التقليدية، وهو ما أوحى بتسمية الكتابة الرافدينية بالكتابة المسمارية. أما قدامى المصريون فلقد استخدموا ورق البردي والمداد في كتابتهم، وورق البردي سهل الاستعمال ولا يفرض استعماله على الكاتب مناورات معينية ولا يؤثر على طبيعة الكتابة، من ثمة عدم تطور أشكالها ومحافظتها على شكلها الصوري البدائي، بعكس الكتابة المسمارية التي أصبحت تختلف كثيرًا عن هيئة مسمياتها التي كانت في البداية صورية بدائية أيضـًا.

والكتابة الصورية كتابة صعبة لأنها تفترض وجود صورة لكل مسمى، وهو ما يجعل حفظها واستعمالها بوضوح أمرًا صعبـًا لكثرة المسميات والأشياء وكثرة الاشتراك في معاني صورها. أضف إلى ذلك أن كتابة المفاهيم الفكرية والمجاز شبه مستحيل في هذه الكتابة لصعوبة تصويرها. وللتمثيل على ذلك أتوقف عند مفهومَي الإله والسيادة في الكتابتين المسمارية والهيروغليفية.

لقد دل الرافدينون على كلمة “الإله” بلغتهم ـ وهي /إلٌّ/ ـ بنجمة. والنجمة تشير إلى السماء، وهذا يعني أن الرافدينيين كانوا يعتقدون أن الإله إنما يكون في السماء. من جهة أخرى باتت صورة النجمة مشتركة لأنها تدل على 1) النجمة و2) السماء و3) الإله. أما قدامى المصريين فعبروا عن مفهوم /السيادة/ في لغتهم برسم صورة أسد رافعـًا رأسه بشموخ وعز. وهذا يعني أيضـًا أن صورة الأسد في الكتابة الهيروغليفية مشتركة لأنها تدل على معنى حسي هو “الأسد” ومعنى مجازي هو “السيادة”. ويطلق على طريقة كتابة المعاني المجازية: الكتابة الرمزية.

إذن أدت كثرة الاشتراك في الصور والرموز وكذلك صعوبة الدلالة على المفاهيم الفكرية والمجاز إلى اختراع طائفة من الرموز في الكتابتين لتحديد المعاني وضبطها حتى يتمكن القارئ من فهم السياق من أول وهلة، وهي الرموز المسماة بمحددات المعاني. مثلاً: استعمل الرافدينيون النجمة للدلالة على الإله أولاً ثم على كل ما له علاقة بالدين والعبادة ثانيـًا. فبمجرد رؤية نجمة في جملة يفهم القارئ منها أن الجملة تفيد معنى دينيًا. الأمر ذاته ينطبق على الهيروغليفية التي تثبت صورة الرجل للدلالة على أي شيء يشير إلى الإنسان، أوصورة الخشب للدلالة على أي شيء يصنع من الخشب، بما في ذلك القوارب والسفن، مما يؤدي إلى نشوء نظام اصطلاحي يسهل على الكاتب والقارئ أمر الكتابة والقراءة. ويعقده في الوقت ذاته، مما أدى بالرافدينيين والمصريين إلى البحث عن حلول لمشكلة الكتابة الصورية والرمزية التي باتت غير قادرة عن التعبير بوضوح عما يريدون تدوينه مع التقدم الفكري والعلمي للحضارتين الرافدينية والمصرية.

ومن الجدير بالذكر أن الكتابة الصينية اليوم لا تزال في المرحلة الصُّوَرية بحيث يجب على الطفل ـ مثلاً ـ أن يكون حافظـًا لبضعة آلاف رمز حتى يستطيع أن يقرأ كتابـًا من كتب الأطفال.

2. المرحلة المقطعية

إذن الكتابة الصورية هي كتابة تصور الأشياء التي يراد كتابتها تصويرًا كما مر معنا. والكتابة الرمزية هي تحمّل الصور الحسية (كصورة الأسد) معاني مجازية (كمعنى السيادة). أما الكتابة المقطعية فهي كتابة صوتية. والكتابة المقطعية الصوتية تتكون من مقاطع صوتية تبدأ بحرف صامت يتبعه حرف صائت قصير مثل /بَ/، /بُ/، /بِ/، أو يتبعه حرف صائت ممدود مثل /با/، /بُو/، /بِي/. وأول مَن مارسها أواخر السومريين وأوائل الأكاديين ـ على خلاف في ذلك. وعليه فإن الكتابة المسمارية المقطعية كانت أول كتابة مقطعية في التاريخ تطورت من خلال بحث الرافدينيين عن حل لمشاكل الكتابة الصورية، فأتت “المساميرُ” المفردة والمركبة فيها ليس للدلالة على صور أو رموز مجردة بل على مقاطع صوتية بعينها مكونة من حروف ساكنة وأصوات. وتمر قراءة الكتابة المسمارية المقطعية بثلاث مراحل هي:

1. قراءة النص الأكادي ونقل المقاطع الصوتية المسمارية إلى العربية؛

2. تجميع المقاطع الصوتية وتكوين الكلمات؛

3. الترجمة.

مثال (المادة السادسة من قانون حمورابي):[8]

شُمْ – مَ أَ-وِي-لُمنِج2 – جا (= نَمْكُور) دنجير (= إلِّم) أُو – إِي- جَل يِشْ-رِ-ِقْ، أَ-وِي-لُم شُ -ُيِدْ-دَ-َق، و شَ شُ-ُرْقَ-م إِ-نَ قَا-تِ-شُ يِمْ-خُ-رُ يِدْ-دَ-َق

شُمَّ أَوِيلُم نَمْكُور إلِّم وإِيكَلِم يِشْرِقْ، أَوِيلُم شُ يِدَّقْ، أُو شَ شُرْقَم إِنَ قَاتِشُ يِمْخُرُ يِدَّقْ.

“إذا سرق رجلٌ مُلكـًا لإله أو من هيكلٍ، يُقتل ذلك الرجل، ويُقتل كلُّ مَن استلم من يده [الملكَ] المسروقَ”.[9]

ومن الجدير بالذكر أن الهيروغليفية طورت، في مرحلة لاحقة، كتابة مقطعية أيضـًا، إلا أن الفرق بين الرافدينيين وقدامى المصريين أن الأوائل تخلوا نهائيـًا عن الكتابة الصورية والرمزية بعدما طوروا الكتابة المقاطعية، بينما لم يتخل قدامى المصريين عن الكتابة الصورية، وهو ما جعل من الكتابة الهيروغليفية كتابة معقدة جدًا تتكون من صور ورموز ومقاطع صوتية ثنائية الأصوات وثلاثية الأصوات وحروف أبجدية! وهذا عائد إلى المكانة الرفيعة التي كان يتبوؤها الكتاب المصريون في المجتمع المصري القديم، وهي المكانة التي جعلتهم يحولون دون تبسيطها وبالتالي انتشارها حفاظـًا منهم على مكانتهم العالية والامتيازات التي كانت ترتبط بتلك المكانة العالية.

وأخيرًا نشير إلى أن الكتابة المقطعية تتكون من 200 إلى 400 مقطع صوتي حسب أصوات اللغة المستعملة لها. ومن اللغات التي لا تزال تستعمل الكتابة المقطعية حتى اليوم: اللغة الأمهرية، وهي لغة جزيرية تعتبر امتدادًا للجعزية، لغة مملكة أكسوم في الحبشة. فالكتابة الجعزية/الأمهرية هي كتابة مقطعية مشتقة من خط المسند الحميري. وهذا من عجائب اللغات لأن الأحباش أخذوا عن عرب الجنوب الكتابة الأبجدية التي تعتبر آخر مرحلة من مراحل تطور الكتابة، وحولوها إلى كتابة مقطعية، فأداروا بذلك عقارب الساعة إلى الوراء كما يقال.

  1. 3.    المرحلة الأبجدية

 1.3. النشأة

المرحلة الثالثة والأخيرة من تاريخ الكتابة هي المرحلة الأبجدية التي سميت هكذا نسبة إلى ترتيب الحروف في الأبجدية الجزيرية الأولى وهي (أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ)، وهو الترتيب الذي غيره في العربية أبو الأسود الدؤلي عند تنقيط الحروف إلى الترتيب الحالي الذي يقال فيه أيضـًا إن الخليل بن أحمد هو الذي صنع ذلك.

كانت النظرية السائدة أن الأبجدية الفينيقية اشتقت من رسوم الكتابة الهيروغليفية في منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد، إلا أن اكتشاف أبجدية أقدم منها بخمسة قرون، وهي الأبجدية الأوغاريتية، التي تستعمل أشكالاً مسمارية لا علاقة لها بصور الكتابة الهيروغليفية، ألغى هذا الرأي تمامـًا. فالأوغاريتيون استوحوا أشكال أبجديتهم الأوغاريتية، التي تحتوي على كل الأصوات الجزيرية القديمة (وهي ثمانية/تسعة وعشرون صوتـًا)، من الكتابة المسمارية، ولكننا لا نعرف على وجه التحديد كيف اختزلوا الكتابة المقطعية إلى الكتابة الأبجدية، بينما نستطيع أن نتابع ذلك الاختزال في الأبجدية الفينيقية، حيث قام الفينيقيون باستعمال الصور الدالة على مسميات بعينها (مثلاً: صورة الثور للدلالة على الثور؛ صورة العين للدلالة على العين؛ صورة المربع للدلالة على البيت؛ صورة الموج للدلالة على الماء وهلم جرًا) ليس للدلالة على تلك المسميات، بل للدلالة على الأصوات الأولى لتلك المسميات كما سيتضح أدناه.

يسمى “الثور” في اللغة الجزيرية الأم: /أَلْفٌ/ ـ بلفظ التنوين تَمِّيمـًا ـ و”البيت”: /بَيْتٌ/ و”العين”: /عَيْنٌ/ وهلم جرًا.

في بداية القرن الخامس عشر قبل الميلاد بدأ الفينيقيون يستعملون الصورة الدالة على “الثور” ـ وهي صورة رأس ثور مثلث الشكل بقَرنَيْن وعينَيْن ـ ليس للدلالة على كلمة /أَلْفٌ/، بل للدلالة على الصوت الأول من كلمة /أَلْفٌ/ فقط، وهو حرف الألف. ثم استعملوا الصورة الدالة على “البيت” ـ وهي صورة مربع ـ ليس للدلالة على  كلمة /بيتٌ/، بل للدلالة على الصوت الأول من كلمة /بيتٌ/ فقط، وهو حرف الباء. ثم استعملوا الصورة الدالة على “العين” ـ وهي صورة العين ـ ليس للدلالة على كلمة /عَينٌ/، بل للدلالة على الصوت الأول من كلمة /عَينٌ/ فقط، وهو حرف العين، وهكذا دواليك حتى أتوا على أصوات لغتهم، وهي اثنان وعشرون صوتـًا فقط، فجعلوا لكل صوت حرفًا.

ثم رتب الفينيقيون الأبجدية مبتدئين بحرف الألف ثم الباء ثم الجيم ثم الدال إلى آخر ترتيب أبجد هوز. ونحن لا ندري بالضبط لم رتبوا أبجديتهم هكذا، أي لم بدؤوا بالألف ولم يبدؤوا بغيره؟ وقد يكون لذلك علاقة بالمعتقدات الدينية لقدامى الكنعانيين حيث كان الثور يرمز عندهم إلى كبير آلهتهم بعل. وقد يعني “البيت” للجزيريين ذوي الأصول البدوية لا شيء أكثر من “المعبد” الذي يعبد فيه إلههم، ولكن هذه مجرد تكهنات.

ثم أخذ الإغريق في أوائل الألف الأول قبل الميلاد الكتابة الأبجدية عن الفينيقيين وحاولوا كتابة لغتهم فيها إلا أنهم اكتشفوا أن الأبجدية الفينيقية لا تحتوي على كل الأصوات اليونانية من جهة (خصوصـًا الحركات)، وأنها تحتوي على أصوات غير موجودة في اللغة اليونانية مثل حروف الحلق من جهة أخرى. فاستعمل اليونانيون حروف الحلق للدلالة على الأحرف الصائتة في اليونانية لأن الأبجديات الجزيرية لم تكن تحتوي على أحرف صائتة فيها، فاستعمل اليونان حرف العين الفينيقي للدلالة على الـ o، وحرف الحاء للدلالة حلى حرف الإيتا (وهيئته في اليونانية: η وهو مثل حرف الـ i ولكنه أكثر مدًا منه) وهلم جرًا. ثم سمى اليونانيون نظام الكتابة التي أخذوها عن الفينيقيين بـἀλφάβητος  أو alfabetos، وهي “الألفباء” في العربية. أما الـ Abecedarium في اللاتينية، فهي ترجمة حرفية لـ “أبجدية”.[10]

وأخيرًا نشير إلى أن الأبجديات الجزيرية لا تحتوي إلا على حروف ساكنة. إلا أن لثلاثة منها ـ وهي الألف والواو والياء ـ استعمالين اثنين الأول هو استعمالها أحرفًا ساكنة والثاني هو استعمالها أحرف مد للدلالة على الحركات الطويلة. وهذا يعني أن للغة الجزيرية الأم ثلاث حركات فقط ترد قصيرة ويعبر عنها بالفتح والضم والكسر، وطويلة ويعبر عنها بالألف والواو والياء. والعلة في عدم ورود الحركات القصيرة على شكل أحرف كما هو الحال عليه بالنسبة إلى حروف المد، هو القاعدة الجزيرية العامة التي تحول دون ابتداء كلمة جزيرية بحركة أو بحرف ساكن. وإذا عرفنا أن الأبجدية الجزيرية اشتقت من الأصوات الأولى لكلمات جزيرية بعينها كما أبنا أعلاه، فهمنا جيدًا السبب في عدم احتواء الأبجديات الجزيرية أحرفـًا تدل على الحركات الثلاث القصيرة لأن ذلك غير موجود في أوائل كلامهم.

2.3. الأبجديات الجزيرية حسب الترتيب الزمن

الأبجدية الأوغاريتية: هي أقدم كتابة أبجدية جزيرية ظهرت إلى الوجود بداية الألفية الثانية قبل الميلاد غربي سورية. اشتق الأوغاريتيون أشكال أبجديتهم من الكتابة المسمارية. ويتعتقد اعتقادا قويـًا أن الأوغاريتيين كانوا عربـًا.

خط المسند: لا ندري على وجه التحديد متى تم وضع خط المسند، ولا يعرف شيئـًا عن مراحل تطوره، ويعتقد أنه أقدم كتابة أبجدية جزيرية على الإطلاق. فهو أقدم من الأبجدية السينائية (1500 ق.م.)، وقد يكون أقدم من الأبجدية الأوغاريتية (2000 ق.م.). وثمة في الواقع اختلاف شديد بين مؤرخي الأبجديات بخصوص تاريخ خط المسند. زد على ذلك أن هنالك لغزًا محيطـًا بهذا الخط هو عدم تشابهه مع أي من الكتابات القديمة باستثناء تشابه جيمه مع الجيم في الأبجدية اليونانية /Γ/. فنحن نستطيع أن نتابع تطور الكتابة الفينيقية، المشتقة من الكتابة الهيروغليفية، ولكنا لا نستطيع ربط خط المسند بأية من الكتابات القديمة.

الأبجدية الفينيقية: اشتقت الأبجدية الفينيقية من الكتابة المصرية القديمة، الهيروغليفية، اشتقها الفينيقيون وطوروها في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. ويعتقد عالم الآثار اليهودي أولبرايت أن الذين طوروا الأبجدية الفينيقية بناء على الصور الهيروغليفية كانوا “عبيدًا ساميين” كان الفراعنة استعبدوهم واستخدموهم في مناجم صحراء سيناء، وذلك دون تحديد هويتهم لأن ذلك غير ممكن. وربما أراد أولبرايت ربط اختراع الأبجدية الفينيقية برواية الخروج التوراتية من مصر. ومهما يكن، إن اكتشاف الأبجدية الأوغاريتية في غرب سورية ـ وهي أقدم من الفينيقية بقرون ـ ألغى فكرة أولبرايت التي لم يأخذ بها أحد من علماء اللغات الجزيرية وتاريخ الكتابة.

تتكون الأبجدية الفينيقية، شأنها في ذلك شأن الأبجديات الكنعانية، من اثنين وعشرين حرفـًا فقط، بعكس الأبجدية العربية والسبئية والأوغاريتية التي تتكون من ثمانية/تسعة وعشرين حرفـًا تحتوي على جميع الأصوات الجزيرية الأصلية.

الأبجدية الآرامية: اشتقت الأبجدية الفينيقية من الأبجدية الفينيقية، اشتقها الآراميون وطوروها في القرن العاشر عشر قبل الميلاد. ومن الجدير بالذكر أن الأبجدية الآرامية القديمة انتشرت انتشارًا كبيرًا في الشام والعراق (بعد سقوط الدولة الآشورية في القرن السادس ق.م.) واستعملها أقوام كثيرة لذلك يختلط الأمر على غير المتخصصين بشأن تسميتها. ونميز فيها الكتابات التالية: (أ) الكتابة الآرامية القديمة: وأول من استعملها هم أصحابها الآراميون، ثم أخذها عنهم السامريون في القرن الثامن قبل الميلاد وعدلوها تعديلاً طفيفـًا ودونوا فيها بعض نقوشهم القديمة، لذلك تسمى هذه الأبجدية أحيانًا بالأبجدية السامرية وهذه التسمية غير دقيقة. ثم استعمل العبران في القرن الثامن قبل الميلاد أيضـًا هذه الأبجدية الآرامية/السامرية ودونوا فيها بعض نقوشهم القديمة، لذلك تسمى هذه الأبجدية أحيانًا بالأبجدية العبرية القديمة، وهذه التسمية غير دقيقة أيضـًا. فهذه الأبجدية التي استعملها الآراميون والسامريون والعبران هي الأبجدية الآرامية القديمة. (ب) الأبجدية الآرامية المربعة:  تعرف هذه الأبجدية بالكتابة اليهودية أو الكتابة المربعة نظرًا لأشكال حروفها التي تشبه كثيرًا المربعات المجردة. أما اليوم فتسمى بالكتابة العبرية أو اليهودية لأنها كتابة اليهود. لم يطور اليهود أبجدية مخصوصة بهم بل أخذوا عن الآراميين كتابتهم ودونوا فيها ـ ابتداء من القرن الثامن قبل الميلاد ـ أسفار العهد القديم (800 – 500 ق.م.) ثم المشناة (القرن الميلادي الأول) ثم التلمودين البابلي والمقدسي (القرن الثاني حتى السادس الميلادي).  تتكون الأبجدية العبرية ـ شأنها في ذلك شأن كل الأبجديات الشمالية الغربية ما عدا الأوغاريتية ـ من اثنين وعشرين حرفـًا فقط كلها حروف صامتة. استعار اليهود والسريان عن العرب نظامَيْ الإعجام والحركات وضبطوا بهما أصوات لغتهم في القرن ولهذه الكتابة ثلاثة خطوط متباينة: الخط المربع المستعمل في الطباعة فقط، وخط اليد ويستعمل في الكتابة اليدوية فقط (مثل الرقعة عندنا)، وخط الحبر راشي الذي استعمله في تدوين تعليقاته وشروحه على أسفار العهد القديم.

الأبجدية النبطية: الأنباط المنسوب إليهم هنا هم قبيلة عربية كانت تشتغل بالتجارة بين الجزيرة العربية والشام، وكانت عاصمة دولتهم “التجارية” في سلع المعروفة اليوم بالبتراء في الأردن. (البتراء ـ Πετρα ـ هي الترجمة اليونانية لكلمة سلع العربية وتعني الصخر). اشتقت الأبجدية النبطية من الأبجدية الآرامية كما توحي بذلك أشكال الحروف، وظهرت إلى الوجود في القرن الثاني قبل الميلاد. اتخذ بعض حروفها أشكالاً قريبة من كتابتنا العربية كما ظهرت في النقوش التي عثر عليها عشية ظهور الإسلام وبداية العصر الإسلامي. وهذا أمر طبيعي لأن الأنباط هم الذين طوروا كتابتنا العربية الحالية. فكتابتنا العربية الحالية من تطوير الأنباط وهم عرب أقحاح كما هو معلوم، ولا علاقة لهم بمن كان مؤرخو العصر العباسي يسمونهم بالنبط والنبيط أي أهل السواد.

الأبجدية السريانية: ظهرت الأبجدية السريانية إلى الوجود في بداية القرن الثاني للميلاد، وهي أبجدية مشتقة من الأرامية القديمة. وتعرف الأبجدية السريانية التي ظهرت في القرن الثاني للميلاد باسم “كتابة الإسطرانجيلو”، وهي تسمية يونانية تعني “الكتابة المستديرة”، أطلقت على هذه الكتابة التي استعملها المسيحيون السوريون في كتاباتهم الدينية وخصوصـًا في ترجمتهم أسفار الكتاب المقدس المعروفة باسم “بْشِيتا”، أي “الترجمة البسيطة”، والتي سميت هكذا لحرفية النقل عن العبرية، ـ وذلك لتمييز كتابة الإسترانجيلو من “الكتابة المربعة” التي استعملها اليهود في تدوين أسفارهم.

بعد افتراق السريان في القرن الخامس للميلاد إلى يعاقبة ونساطرة، وهروب النساطرة من البيزنطيين إلى بلاد فارس، تفرع عن كتابة الإسترانجيلو كتابتان: “كتابة السِّرْطا” (وتعرف اليوم باسم “كتابة السِّرْطو”) التي يستعملها اليعاقبة، و”الكتابة النسطورية”. ومن الجدير بالذكر أنه لم يكن لكتابة السرطو نظام حركات لتشكيل الكلمات وضبط الأصوات، وأن السريان استعاروا عن اليونانيين أحرفهم الصوتية لضبط أصوات لغتهم.

 الأبجدية العربية الشمالية: إن الأبجدية العربية الشمالية، أبجديتنا الحالية، هي آخر الأبجديات الجزيرية ظهورًا. اشتقها عرب الشمال من أبجدية إخوانهم الأنباط، الذين اشتقوا أبجديتهم من الأبجدية الآرامية القديمة كما أبنا أعلاه، وذلك في القرن الخامس الميلادي. كانت الأبجدية العربية تتبع ترتيب أبجد هوز، إلا أن إضافة نظام الإعجام إليها في القرن السابع للميلاد أدى إلى تغيير ترتيبها إلى الترتيب الحالي. وقد احتفظ العرب بالترتيب الأول الذي يستعملونه في حساب الجمل المعمول به أيضًا في سائر الأبجديات الجزيرية (أ = 1، ب = 2، ج = 3، د = 4، هـ = 5 وهلم جرًا).

الأبجدية العربية الشمالية هي الأبجدية الجزيرية الوحيدة التي استعملت حروف العلة للدلالة على الحركات الطويلة باطراد لأن ذلك نادر في العبرية والسريانية اللتين لم تكونا تثبتان الحركات الطويلة كتابةً إلا نادرًا. أما الحركات القصيرة، وهي الفتحة والضمة والكسرة، بالإضافة إلى علامة السكون والشدة، فقد أضيفت في القرن السابع أيضـًا ليتم بذلك تطوير الأبجدية العربية نهائيـًا، وهو ما أوحى لليهود والسريان بتطوير أبجدياتهم المستعملة نهائيـًا أيضـًا، فأخذوا عن العرب نظامَي الإعجام والحركات كما أبنا في دراسة منفصلة.[11]

وغني عن القول أن الأبجدية العربية أكثر الأبجديات الجزيرية انتشارًا، فهي أكثر الأبجديات انتشارًا في العالم بعد الأبجدية اللاتينية، وأن حروفها اتخذت أشكالاً كثيرة حسب موقعها من الكلام، وأن العرب طوروا فن الخط العربي ليصبح من أهم الفنون الإسلامية بسبب جمالية الخط العربي الذي يعتبر أجمل خط في العالم.

 

3.3. الكتابات الجزيرية الغربية

الكتابتان الجزيريتان الغربيتان الوحيدتان هما الكتابة الهيروغليفية وكتابة التيفيناغ.

1.3.3. الكتابة الهيروغليفية:

تتكون الكتابة المصرية من خمسة مكونات رئيسية لها هي: 1. الكتابة الصورية؛ و2. الكتابة المقطعية المكونة وحداتها الصوتية من صوتين اثنين؛ و3. الكتابة المقطعية المكونة وحداتها الصوتية من ثلاثة أصوات؛ و4. الكتابة المركبة و5. الكتابة الأبجدية، بالإضافة إلى مكملات صوتية ورمزية ومحددات للمعاني كثيرة لا يتسع المجال لذكرها كلها في هذا الملخص.

2.3.3. كتابة التيفيناغ:

إن كتابة التيفيناغ هي الكتابة التي دونت فيها النقوش الأمازيغية القديمة في المغرب الكبير. وتوحي التسمية (تفييناغ = [الكتابة] الفينيقية) بأن الأمازيغ أخذوها عن الفينيقيين في قرطاجة (قرطاجة: من الفينيقية /قرت/ “مدينة”) وهي كبرى مستعمرات الفينيقيين في المغرب الكبير، إلا أن شكلها يوحي بأنهم ربما كانوا أخذوها عن خط المسند.


 

المراجع

باقر طه (1980). من تراثنا اللغوي القديم؛ ما يُسمّى في العربية بالدّخيل. بغداد.

الترجمة الكاثوليكية = الكتاب المقدس. منشورات دار المشرق ش ش م. بيروت، 1983.

ترجمة فانديك = الكتاب المقدس أي كتب العهد القديم والعهد الجديد، وقد ترجم من اللغات الأصلية وهي اللغة العبرانية واللغة الكلدانية واللغة اليونانية. انتشر على يد جمعية التوراة البريطانية والأجنبية. طبع في بريطانيا العظمى. بدون تاريخ.

السليمان عبدالرحمن (2012). في ضرورة توظيف علم اللغة المقارن في تأليف المعجم التاريخي للغة العربية. مجلة ترجمان الصادرة عن مدرسة الملك فهد العليا للترجمة – جامعة عبدالمالك السعدي في تطوان. المجلد 21، العدد 2، أكتوبر 2012. الصفحة 11-64.

السليمان عبدالرحمن (2013). الدراسات الجزيرية المقارنة في العصر الوسيط: أسبابها الثقافية وبواعثها الدينية. مجلة ترجمان الصادرة عن مدرسة الملك فهد العليا للترجمة – جامعة عبدالمالك السعدي في تطوان. قبلت للنشر.

 

 

Bergsträsser, G. (1995). Introduction to the Semitic Languages: Text Specimens and Grammatical Sketches. Translated by Daniels P.T. Eisenbrauns.

 

Bennett, R. P. (1998). Comparative Semitic Linguistics: A Manual. Eisenbrauns.

 

Brockelmann, C. (1913).Grundriss der vergleichenden Grammatik der semitischen Sprachen. 2 vols. Berlin, Reuther and Reichard.

 

De Lacy, O. (1923).Comparative Grammar Of The Semitic Languages. London, Trubner’s Oriental Series.

 

Moscati, S. (1964). An Introduction to the Comparative Grammar of the Semitic Languages. Phonology and Morphology. Wiesbaden, Otto Harrassowitz.

 

Nöldeke, Th. (1982). Beiträge und neue Beiträge zur semitischen Sprachwissenschaft. Neudruck.  Amsterdam, APA – Philo Press.

 

Wright, W. & Smith W. (2002). Lectures on the Comparative Grammar of the Semitic Languages. Cambridge University Press 1890. Reprint.



[1] انظر Brockelmann C. (1913) و Bergsträsser G. (1995)وDe Lacy O. (1923) و Wright W. & Smith W.    (2002) وNöldeke Th. (1982) وMoscati S. (1964) وBennett  R. P. (1998)، وهي من أهم الكتب المرجعية في الدراسات الجزيرية.

[2] انظر سفر التكوين، الإصحاح 10، الآيات 21 إلى31، وكذلك الإصحاح 11 الآيات 10 إلى 26.

[3] انظر سفر التكوين، الإصحاح 9، الآيات 20-27.  الإصحاح 9

[4]انظر باقر طه، 17:1980.

[5]انظر: السليمان عبدالرحمن (2012).

[6]  والكلمة العبرية الأخيرة منصوبة على الحال بالميم وهو من بقايا الإعراب في اللغات الجزيرية الشرقية الذي كان فيها بالميم ثم أصبح في العربية بالنون (التنوين).

[7] ربما رد بعض الناس كلمة “آمين” إلى اللغة المصرية القديمة، مثلما ردوا التوحيد الذي دعا إليه النبي موسى عليه السلام، إلى ديانة إخناتون، وفي ذلك نفي لأصلها السماوي. ومن الجدير بالذكر أن ديانة إخناتون لم تكن توحيدية كما زعم فرويد وغيره لأنها كانت تعتبر إله الشمس “رع” الأله الأكبر دون نفي وجود الآلهة الآخرى، بينما تقوم عقيدة التوحيد لدى المسلمين والنصارى واليهود على الإيمان بالإله الواحد خالق السماوات والآرض وما بينهما، الذي عرف البشرية بذاته العليا بواسطة الوحي إلى الأنبياء والرسل، عليهم السلام. فديانة إخناتون كانت مشوبة بالشرك، وتسمى “التوحيد المشوب بالشرك” (Henotheism)، بعكس “التوحيد” المطلق (Monotheism).

[8]  النص المسماري منسوخ من كتاب …

[9]  شرح المفردات الأكادية: / شُمَّ/: حرف شرط. / أَوِيلُم/: “رجل”، اسم نكرة مرفوع، مشتق من الجذر “أول”. وكان في المجتمع البابلي ثلاث طبقات: طبقة الأحرار (أَوِيلُم)، طبقة الفلاحين (مُشْكِينُم) وطبقة العبيد (وَرْدُم من الجذر “ورد”). / نَمْكُور /: “رزق، مال، متاع”، والكلمة سومرية. اسم منصوب مضاف، وتحذف الحركة في المضاف في الأكادية. / إلِّم /: “إله”، ويجانس في العربية “إلٌّ” بنفس المعنى. (انظر معنى “إلٍّ” في الآية الكريمة: “لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذِمة” (10:9). /و/: الواو: حرف عطف. /إيكل/: “هيكل”، من السومرية أيضاً (من: إي “بيت” و: جَل “كبير”)؛ والكلمة نكرة مجرورة لأنها مضاف إليه. /يِشْرِقْ/: “يسرق” (الجذر “سرق”): فعل تام. /شُ/: اسم إشارة “ذلك”. /شَ/: اسم موصول “الذي”. /يِدَّقْ/: يُقتل (الجذر “دقق”). /شُرْقَم/: اسم نكرة منصوب “المسروق”، “الشيء المسروق”. /إنَ/: “مِن”. /قَاتِشُ/: اسم مجرور بحرف الجر، مضاف إلى ضمير “يَدِهِ” (قاتُ: “يد”، شُ: ضمير الملك للغائب المفرد). /يِمْخُرُ/: استلمَ (الجذر “مخر”): فعل تام.

[10] وللثور وظيفة أخرى تتعلق بالكتابة .. فالثور يفلح الأرض من اليمين إلى اليسار ثم من اليسار إلى اليمين وهلم جرًا. ومن طريقته في فلاحة الأرض اشتقت الكلمة للدلالة على طريقة الأوائل (ومنهم اليونان وعرب الجنوب) في الكتابة، أي من اليمين إلى اليسار ثم من اليسار إلى اليمين، وهي Boustrophedon، من اليونانية (βουστροφηδόν) ومعناها “كفلاحة الثور”. إن أكثرية النقوش اليمنية المدونة بخط المسند مكتوبة هكذا  “كفلاحة الثور”.

[11]  انظر السليمان عبدالرحمن (2013).

Comments are disabled

Comments are closed.