/ No. 1 January 2013 / دراجومان

دراجومان

Administrator on 02/02/2014 - 01:56 in No. 1 January 2013

لا تخفى رمزية الكلمة الإنكليزية (Dragoman) على ترجمان .. ذلك أن هذه الكلمة الإنكليزية مأخوذة من أقدم كلمة وضعت للدلالة على أقدم مهنة في تاريخ البشرية، ألا وهي الترجمة!

يقول ابن منظور في “ترجمان”[1]: “الترجمان، بالضم والفتح،: هو الذي يترجم الكلام أي ينقله من إلى لغة أخرى، والجمع التَّراجم، والتاء والنون زائدتان”. ويقول ابن منظور أيضاً في مادة /رجم/: “الرَّجْم: اللعن، ومنه الشيطان الرجيم … والرَّجْم: القول بالظن والحدس … وراجَمَ عن قومه: ناضلَ عنهم”. ويقول ابن دريد[2]: “ورَجَمَ الرجلُ بالغيب، إذا تكلم بما لا يعلم. وأَرْجَمَ الرجل عن قومه، إذا ناضل عنهم … والمراجم: قبيح الكلام؛ تراجمَ القومُ بينهم بمراجمَ قبيحة، أي بكلام قبيح”.

وباستقراء الجذر /رجم/ في اللغات الجزيرية يتبين أن معناه الأصلي “الكلام، المناداة، الصياح، القول الغريب، التواصل”. فكلمة “تُرْجمُانُ” في الأكادية ـ وهي أقدم اللغات الجزيرية تدوينا ـ مشتقة فيها من الجذر /رجم/، والتاء والنون فيها زائدتان. أما في الأوغاريتية فيعني الجذر /رجم/ فيها “الكلام” بشكل عام. والمعنى الغالب للجذر /رجم/ في العربية هو القول بالغيب وبالظن والحدس والكلام غير المفهوم أو غير الدقيق. ويقول أهل التفسير إن “الرجم” هو السباب. فالرجيم هو “المشتوم المسبوب”. ويفسرون قوله تعالى “لَئِن لم تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّك” أي “لأَسُبَّنَّك”. وبين السباب والكلام غير المفهوم خيط رفيع لن نتوقف عنده الآن، بل نكتفي منه بالاستنتاج بأن “الرجم” فعل لساني أي كلام وليس غير ذلك.

إذن: المعنى الاشتقاقي الأصلي للاسم /ترجمان/ وللفعل /ترجم/ هو “الكلام غير المحدد”. فهو “الصياح” في الأكادية و”الكلام والقول” في الأوغاريتية “والظن والسب والشتم والتَّراجُم أي التراشق بالكلام” في العربية. وعندي أن “الكلام غير المحدد” بقي “كلاما غير محدد” حتى اليوم لأن معنى “التُّرْجُمان” الأول هو المترجم الشفهي الذي يترجم كلاما غير محدد سلفا أي غير مفهوم بين اثنين يتكلمان لغتين مختلفتين، وهو كذلك في الأكادية والعبرية والسريانية والعربية وغيرها من اللغات الجزيرية. فـ “التُّرْجُمان” هو الشخص الذي يفسّر الكلام غير الواضح ويشرحه بلغة واضحة لأهلها.[3] وهذا هو معنى الكلمة في كثير من اللغات الأخرى (تأمل مثلا في معاني الكلمات التالية: interpreter/interpretation في الإنكليزية وinterprète/interprétation في الفرنسية). وعن الشعوب الجزيرية أخذ اليونان كلمة “ترجمان”، وعنهم أخذها الإيطاليون ثم الفرنسيون والإنكليز وسائر الأوربيين كما يبدو من الجدول التالي الذي يحتوي على الكلمة في بعض اللغات الأوربية وليس في جميعها:

اللغة

الأصل

النطق

الأكادية

“تَرْجُمانُ”

مثله. الواو فوق النون علامة الرفع في الأكادية ـ مثل العربية

الأوغاريتية

رجم

غير معروف. ومعنى الجذر فيها: “الكلام”

العبرية

תרגמן

تُرْجُمانْ

الآرامية القديمة

תרגמנא

تُرْجِمانا (والألف في نهاية الكلمة للتعريف)

السريانية

ܬܪܓܡܢܐ

تَرْجْمونُا (والألف في نهاية الكلمة للتعريف)

العربية

تَرجمُان / تُرْجُمان

مثله

الفارسية

ترگمان

مثله

التركية

Tercüman

مثله

اليونانية

Δραγουμάνος

Dragoymanos – مثله

الإيطالية

Dragomanno

مثله

الروسية

Драгоман

Dragoman – مثله

الألمانية

Dragoman

مثله

الهولندية

Dragoman

مثله

الفرنسية

Drogman

مثله

الإنكليزية

Dragoman

مثله

 لقد دخلت كلمة (ترجمان) اللغات الأوربية في القرن السادس عشر وكانت وقتها تشير إلى الترجمان الذي كان يعمل لدى السطان العثماني للترجمة بينه وبين الأوربيين. وللكلمة في اللغات الأوربية أشكال كثيرة نقتصر الآن على ذكر بعضها كالألمانية التي جاء فيها Dragoman وTrutzelmann، والفرنسية التي جاء فيهاDragoman  وDrogman و Truchmanوالفرنسية التي جاء فيها Dragoman و Truchemanو Truchementومثل ذلك في معظم اللغات الأوربية كما تقدم.

 إذن معنى الترجمة الشفهية سابق لمعنى الترجمة التحريرية كما نرى من هذا التأصيل للكلمة، وهذا ثابت في آثار الأكاديين والسريان والعبران والعرب كما يستشف من قول أبي الطيب المتنبي:

مَغاني الشَّعبِ طِيباً في المغاني = بمنزلةِ الربيع مِـنَ الزّمـانِ.

ولكنَّ الفتى العربيَّ فيــها = غريبُ الوجهِ واليدِ واللسانِ

ملاعبُ جِنَّةٍ لو سارَ فيـها = سليمانُ لَسارَ بِتُرجمُـــان

 وقارن أيضا قول الراجز:

ومَنْهَل وَردتُهُ التِقاطا = لم ألقَ، إذ وَرَدْتُه، فُرّاطا

إلا الحمامَ الوُرْقَ والغطاطا = فَهُنَّ يُلغِطنَ به إلغاطا

كالتُّرجمُان لَقِيَ أنباطا[4]

 وقد نظم اليهود اليوم الفرق بين الترجمة التحريرية والترجمة الشفوية بأن استعاروا أو بالأحرى اشتقوا اليوم من الأصل (رجم/ترجم) كلمة (מתרגם = مِتَرْجِم) بناء على الاشتقاق العربي لها وذلك للدلالة على (المترجم التحريري/translator)، وأضافوا لكلمة (ترجمان) السابقة (م) لتصبح (מתורגמן = مِتُرْجْمان) وذلك للدلالة على (المترجم الشفوي/interpreter)، واحتفظوا بالكلمة القديمة (תרגמן = تُرْجُمانْ) للدلالة على الأصل التاريخي للكلمة!

 وأول من مارس مهنة الترجمة في التاريخ هم الأكاديون الذين اضطروا إلى ترجمة بعض المصطلحات السومرية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالكتابة المسمارية التي اخترعها السومريون، فترجموها إلى لغتهم الأكادية. فالتواصل الأكادي السومري هو أقدم تواصل لغوي في تاريخ التدوين الانساني، ذلك أن السومرية أقدم لغة بشرية دُوِّنت فيما تناهى إلينا (3200 قبل الميلاد)، وأن الأكاديين أزاحوهم (2900 قبل الميلاد) وحلوا محلهم في حكم بلاد الرافدين حيث بنوا دولتهم الأكادية البابلية. وبما أن السومريين هم الذين اخترعوا الكتابة المسمارية، أقدم كتابة في التاريخ المعروف، وأول من وضع أساسيات علوم الإدارة والسياسية، فقد أخذ عنهم الأكاديون ذلك عندما أزاحوهم عن الحكم وحلوا محلهم، مما اضطرهم إلى ترجمة علومهم ومعارفهم ومصطلحات حضارتهم. ومما حفظ الدهر لنا من أوابد الأكاديين ألواحا تحتوي على مسارد لغوية باللغتين السومرية والآكادية هي أقدم ما ألف في هذا المجال. وهكذا نرى أن علم الترجمة ولد مع أقدم حضارتين نشأتا في الشرق، وأن علم صناعة المعجم ولد مع علم الترجمة، وأنه ظلَّ يلازمه حتى اليوم!

 وعليه فإن (Dragoman) العربية العبرية البابلية، الفارسية التركية الكردية، اليونانية اللاتينية الروسية، الألمانية الفرنسية الإنكليزية، كلمة ليست كغيرها في الترجمة، ذلك لأنها مصطلح يعود في أقدم تدوين له – أي بصورته الأكادية – إلى مطلع الألفية الثالثة قبل الميلاد، حيث بداية مهنة الترجمة .. إنه مصطلح يختصر خمسة آلاف سنة من تاريخ الترجمة المدون، ويرمز إلى تواصل لغوي بين الأمم الشرقية والغربية غاية في الغنى، وإلى تلاقح ثقافي وانفتاح على الآخر غاية في الثراء.

 نأمل أن تكون هذه المجلة التي تطلقها الجمعية الدولية لمترجمي العربية، والتي تحمل هذا الاسم الثري بالدلالات اللغوية والتاريخية والثقافية: (Dragoman)، انعكاسا لتاريخ هذا المصطلح الثري، الذي هو، بدوره، انعكاس جلي لتاريخ الترجمة الغني، ولصناعة الترجمة المتطورة، وللتواصل الحضاري بين الأمم واللغات والثقافات الذي بدأ ذات يوم في بلاد الرافدين، عندما احتك الأكاديون بالسومرين، فكانت الترجمة، وكان علم المعاجم، وكان الترجمان!


[1]  ابن منظور (بدون تاريخ). لسان العرب. بيروت. (مادة /ترجم/).

[2]  ابن دريد (1987). الجمهرة في اللغة. تحقيق رمزي البعلبكي. بيروت. الصفحة 466 وما يليها.

[3]  نذكر على سبيل المثال لا الحصر الكلمة العبرية (תרגום = تَرْجُوم) التي تعني في سياق العهد القديم: “الترجمة والتفسير”، ترجمة التوراة إلى الآرامية من أجل الصلوات والعبادة. وقد نشأ هذا التقليد بعد موت اللغة العبرية التوراتية وطغيان الآرامية عليها وصيرورتها لغة لليهود. وكان اليهود قبل تدوين “الترجوم” يقرؤون التوراة في كنائسهم بالعبرية ثم يشرحونها مباشرة بالآرامية ترجمة وتفسيرا. بعد ذلك دون الترجوم. ويبدو أنه كانت ثمة ترجومات” كثيرة في الماضي، إلا أن اليهود اختاروا منها “ترجومين” اثنين فقط هما “ترجوم أونقيلوس” للتوراة (الكتب الخمسة الأولى من العهد القديم) و”ترجوم يوناتان بن عوزيل” لأسفار الأنبياء في العهد القديم. ونستأنس أيضا في هذا السياق بتسمية أول ترجمة عربية لأسفار العهد القديم، وهي الترجمة التي قام بها الحبر اليهودي سعيد بن يوسف الفيومي (892-942): “تفسير التوراة بالعربية”. فكتاب الفيومي ترجمة عربية حرفية لأسفار العهد القديم، وليس تفسيرا أو شرحا. (انظر: سعيد بن يوسف الفيومي (1893-1899). تفسير التوراة بالعربية. تحقيق يوسف ديرنبورغ. باريس. الكتاب مطبوع بالعنوان التالي: Derenbourg Joseph (1893-1899). Œuvres Complètes de R. Saadia Ben Iosef Al-Fayyoumi. Paris. Ernest Leroux, éditeur).

[4]  انظر ابن منظور (بدون تاريخ). لسان العرب. بيروت (مادة /رجم/ و/ترجم/).

Comments are disabled

Comments are closed.