/ No. 3 January 2014 / ب. تيي – تعليقات على ترجمة النصوص الفلسفية من اليونانية إلى العربية. ترجمه محمد الزكراوي

ب. تيي – تعليقات على ترجمة النصوص الفلسفية من اليونانية إلى العربية. ترجمه محمد الزكراوي

Administrator on 13/02/2014 - 01:39 in No. 3 January 2014

تعليقات على ترجمة النصوص

الفلسفية من اليونانية إلى العربية [1]

كتبه ب. تيي – ترجمه محمد الزكراوي [2]

نشأت بعيد استقرار الخلافة ببغداد، حوالي سنة 750 [3]، على عهد المنصور، حركة ثقافية عظيمة، سرعان ما تمخض عنها العزم على ترجمة الأعمال المحفوظة في الكتب المتخلفة عن البلدان المفتوحة، ولاسيما هؤلاء الإغريق الأوائل، أسلاف البيزنطيين، وهم الروم عند العرب.

ولم تكن اللغة العربية مهيأة للتعبير عن مفاهيم فلسفية. وبعد أن ترجمت أوائل المصنفات في الرياضيات والفلك والطب كان على التراجمة أن ينقلوا إلى العربية نصوصا كتبها الفلاسفة. فاعترضتهم عندئذ عقبات جديدة. نعم، لم يخلف لنا التراجمة تفاصيل ما تخطوه من الصعاب في محاولتهم أن يضعوا بين يدي قرائهم نصا عربيا مفهوما، لكن ليس من المحال السعي في بيان حذقهم ومهارتهم فيما أنجزوه، فما زالت آثاره ظاهرة في نقولهم.

ولنذكر بأن الترجمات جميعها، إلا ما ندر، كانت من وضع النصارى؛ وكانت لغتهم الأم هي السريانية [4]، وبها يقضون شعائر ملتهم. وإلى السريانية نقل قبل ذلك عدد من النصوص اليونانية، معظمها نصوص في الشعائر واللاهوت، وبعضها في الطب وأيضا في المنطق [5]. والسريانية لغة سامية، كالعربية؛ فكانت مثالا صالحا من حينه لفهم النصوص الفلسفية، وأيسر من اللغة اليونانية الأصل. وما أكثر الترجمات العربية للفلسفة اليونانية التي نقلت عن ترجمات سريانية تقدمتها [6]. وقد تجشم بعض التراجمة مشقة نقل النص اليوناني الذي بين أيديهم نسخة منه إلى السرياني أولا، ثم إلى العربي بعد ذلك [7]. وفي ذلك شاهد على أمرين اثنين: على نزاهة صناع تلك الترجمات، وعلى أن النقل من اليوناني إلى السرياني كان أيسر عليهم من النقل من اليوناني إلى العربي.

وليس المقصود هنا التطرق إلى جميع مظاهر هذه الجهود لتطويع العربية لكي تعبر عن مضمون كتب الفلسفية اليونانية، ولا عرض كافة الخصوصيات التي من شأن الملاحظ أن يراها في الاصطلاحات الفنية. فهذا مجال للبحث فيه متسع؛ وسأقصر كلامي على بضعة أمثلة وحسب.

1. ترجمة الاصطلاحات الفلسفية الخالصة

مفهوم “الجوهر” يقال له في اليونانية (ούσία أوسيا).[8] وأنا من أتباع التقليد الجاري في الفرنسية بترجمته بلفظ Substance، وهو لفظ لا تتجلى فيه صلة ذلك المصطلح بفعل الكينونة Etre [9]، فكيف نقله تراجمتنا؟ لا يخفى على أحد أن فعل الكينونة لا وجود له في العربية؛ وهاهنا أيضا كان لابد من جهود كبرى [10] – تشهد عليها الترجمات المختلفة – لنقل عبارات مثل τό είναι (طو إيناي)، وτό όν (طو أون)، وτί εστι  (طي إسطي)، وτό τί ην είναι (طو طي إن إيناي) [11]. أما (ούσία أوسيا) فكانت لفظة جارية بعد على ألسنة أصحاب اللاهوت، بالمعاني التي لها في اليونانية، لكن منقولة بالحرف السرياني. والظاهر أن العربية لم تستسغ اللفظة اليونانية ولا السريانية؛ وذلك أن ترجمته المتداولة هي “الجوهر”. وليس “الجوهر” من الألفاظ القرآنية؛ وهو رباعي؛ والراجح أن أصله فارسي [12]؛ فما معناه؟ معناه “الدرة” و”الحلية” و”الحجر الكريم”. ولعل التراجمة اختاروه مهتدين بمعنى آخر للفظ (ούσία أوسيا) غير معناه الفلسفي، وهو “الأموال” و”الثروة” [13]. وقد كان لفظ “الجوهر” متداولا بين التراجمة في وقت مبكر، ترجمة للفظ (ούσία) [14].

ونذكر بعد هذا استعمالا آخر أندر، إلا أنه أجدر بالعناية. وذلك أن العبارةτό τί ην είναι  (طو طي إن إيناي) تستعصي على من يريد ترجمتها، وإن فهم المراد منها [15].ففي كتاب الجدل(I، 5، 101 ب38) يفيدنا أرسطو أن الحد هو القول الدال على τό τί ην είναι (طو طي إن إيناي)؛ فترجمها برنشفيك ترجمة أنيقة بقوله: “ما هو جوهري في جوهر الشيء”؛ وفي هذا الموضع نفسه وجدنا قولهم بالعربية: “ماهية الشيء” [16]، ويمكن ترجمته بالفرنسية: “Quiddité de la chose”؛ وعلق أحدهم (في مخطوطة باريس) فوق هذا الكلام بمداد أحمر ما نصه: “بالسرياني: نفس جوهره”؛ وهذا – لعمري – اختراع رائع.

والظاهر أن التعبير عن مفهوم “الصورة” كان أعسر. ولئن كان مفهوم “الجوهر” مألوفا عند اللاهوتيين الناطقين بالسرياني فمفهوم “الصورة” الفلسفي – أي في فلسفة أرسطو خاصة – لم يكن كذلك. فقد ورد في ترجمات الأرغانون لفظ “الشكل”، وهو باليوناني (σχήμα سكيما)، أي “شكل” القياس؛ غير أن هذه اللفظة السريانية المنقولة عن اليونانية ليست يتيمة في العربية، بل لها نظير، هو لفظ “إشكيم” (بصيغة الجمع)؛ وقد ورد في ترجمة كتاب النفس (في III 1, 425a18، وتوافقها ص 63، 13 من ط بدوي) [17].

وقد ترجم لفظ (είδος إيدوس) في اللغة الفلسفية العربية بلفظ “الصورة”، ويفيد أول ما يفيد الصورة المرئية – مع أن الفلاسفة لا يترددون في إطلاقه للدلالة على “الصورة المثالية” التي لا يدركها البصر ولا أي إدراك محسوس؛ غير أنه قد ورد في الترجمات التي بين أيدينا ألفاظ أخر ترجم بها لفظ (είδος  إيدوس)) اليوناني؛ ولكن قبل عرضها لابد من التذكير بأن هذه اللفظة اليونانية ليس لها معنى واحد وحسب، بل أطلقت أيضا – في مؤلفات أرسطو المنطقية – على النوع الداخل تحت “الجنس” [18]  وهاهنا درج التراجمة على استعمال اللفظ العربي “النوع”، وهو من أصل معناه “الفرع” والقسيم” (أي الفرع الخارج من الشيء) [19].

وقد أشار أرسطو إلى تعدد معاني كثير من الكلمات؛ ومنها (είδος إيدوس)؛ وينبغي الفرق فيها بين المعاني التالية: 1 الصورة المرئية (وهذا هو معناها الأصلي)؛ 2 النوع، بالمعنى المنطقي؛ 3 المثال الأفلاطوني، أي صورة الواقع المثالية؛ 4 العلة الصورية، وهي غير العلة المادية، وهما علتان متقابلتان، إلا أن الصورة تتحد بالمادة؛ 5 الصورة جوهر، وهي مبدأ الموجود المحسوس (العيني)، وهذا لا يكون جوهرا إلا إذا اتحدت بالصورة “المادة” التي إنما هي موضوعها [20].ومن شأن السياق عادة بيان هذه المعاني المختلفة للفظ (είδος إيدوس).

وقد استعمل أرسطو نفسه ألفاظا أخر للدلالة على “الصورة”، منها (ίδέα إيديا) و(μορφή مورفي)، وأحيانا (σχήμα سكيما)، وهذا الأخير هو الصورة الهندسية بالمعنى الصحيح؛ وقد قدمنا أن معناه أيضا صورة القياس.

وأبرز ما يكون أثر النظرية الأفلاطونية في التراجمة عندما يترجمون (ίδέα إيديا) بلفظ “المثال”، ومعناه “الأنموذج” وهو في النحو “المثال” (Paradigme)؛ وقد جاء في ترجمة ما بعد الطبيعة، في الموضع الذي ذكر فيه أرسطو أولئك “الذين يقولون الصور” [21]. وللفظ είδος المعنى نفسه؛ فلذلك ترجم بلفظ “المثال”، في ما بعد الطبيعة، Z 14, 1039b12  (ص 978، 13 من نشرة بدوي)؛ غير أن (ίδέα إيديا) – وقد لا يختلف معناه عن ( είδος إيدوس) عند أفلاطون – كثيرا ما ترجم بلفظ “الصورة”؛ والأمثلة عليه كثيرة، في كتابي ما بعد الطبيعة والجدل [22]. ويجب الإشارة إلى أن “النوع” ترجموا به أيضا ίδέα (ίδέα إيديا)، وإن كان بالمعنى الأفلاطوني، في ما بعد الطبيعة،A 9, 990b16   (ص 116، 14).

وقد يقع لأرسطو أن يستعمل لفظ (ορφή  مورفي) معادلا للفظ (είδος إيدوس)، مع أن الأول يدل في الأغلب الأعم على الصورة المرئية، فيكون معناه في هذه الحالة قريبا من معنى الثاني. وقد فطن بعض التراجمة إلى ذلك الفرق؛ ففي الترجمة العربية لكتاب النفس، في  I 3, 407b24، وقد وصلت إلينا[23]، ورد لفظ “الشبح”؛ وترجمت العبارة ( είδος καί μορφήإيدوس كاي مورفي) بقوله: “شبح وصورة” (ص 17، 23 من نشرة بدوي)، وفيه قلب لترتيب اللفظتين في اليونانية؛ وفي II 2, 414a9 ورد قوله (μορφή καί είδος  مورفي كاي إيدوس)، وترجم بقوله: “شبح وصورة” (ص 34، 4 من نشرة بدوي)، والترتيب فيه موافق للأصل اليوناني. ولفظ “الشبح” معناه “الشخص” [24] و”الطيف” و”الشيء تراه من بعيد”؛ فالظاهر أن الترجمان أصاب في اختياره. ونشير فضلا عن هذا كله – وهذه مسألة تقنية – إلى أن أسطاث قد ترجم في ما بعد الطبيعة(I 4, 1055b13) هذه العبارة (τοΰ  είδους καί τής μορφής  طو إيدوس كاي طيس مورفيس) بقوله: “الصورة والسنخ”، على ما جاء في نشرة بويج (ص 1315، 2). و”السنخ”، هذا اللفظ العربي المقترح هنا ترجمة للفظ (μορφή مورفي)، معناه “الجِذْم” “[25]؛ وقد ورد في ترجمة الكتاب H [26]. وقد تستغرب استعمال هذا اللفظ هاهنا، غير أنه من الممكن تبرئة الترجمان من هذا الشذوذ المخالف للمعنى المراد؛ وذلك أن احتمال خطأ من الناسخ أو من قارئ المخطوطة احتمال قوي؛ فالنقط التي تتميز بها الحروف العربية بعضها من بعض قد يغفلها النساخ، وقد تمحي، وقد توضع أيضا في غير مواضعها؛ مثال ذلك هذه العلامة: سٮح؛ فهي “سنخ” في قراءة يويج (أو الناسخ الذي كتب المخطوطة التي بين يديه)، وفي قراءة عبد الرحمن بدوي “شبح”؛ والراجح أن أسطاث إنما أراد العبارة عن معنى “الشخص”، لا عن معنى “الجذم”؛ فالأصوب ترجيح قراءة “الشبح” حيثما ترجم أسطاث لفظ (μορφή مورفي) في الكتابH من ما بعد الطبيعة.

لقد تبين من الترجمات المتقدم ذكرها أن “الصورة” فيها قد فهمها التراجمة على أنها صورة الشيء، بغض النظر – فيما يظهر – عن الذات المدركة لذلك الشيء. لكن (ίδέα  إيديا) و (είδος إيدوس) يوحيان بوجود الذات التي ترى[27]. وقد يذهب الظن إلى أن هذه الترجمة التي يؤخذ فيها المعنى الأصلي بعين الاعتبار هي التي قصد مترجم وِلاَد الحيوان–  وما من شيء يثبت أنه يحيى بن البِطريق[28]. وعندئذ – وهذا أمر غريب – يكون لفظ ( μορφήمورفي) هو الذي ترجم بلفظ “المنظر”، ومعناه “المرأى” و”المشهد” [29]؛ وتكون “الصورة” في مقابل (είδος  إيدوس).

ويبدو أن لفظ (σχήμα سكيما) ترجم بلفظ آخر ترجمة لم يؤخذ فيها المعنى الأصلي بعين الاعتبار، وهو “الجبلّة” [30]، ومعناه “الخلقة والصورة الطبيعية” (هل هي شخص جبل من الجبال أم هذا “الجبل” المعروف في أفريقيا الشمالية؟)؛ لكن بعضهم يرى من قبيل المحال أن يستعمل التراجمة تلك الكلمة للعبارة عن معنى “الصورة” [31]؛ والذي أثار هذا الشك هو الشبه في رسم الكلمتين العربيتين “الجبلة” و”الحلية”، وهذا الأخير وارد أيضا ترجمة لمفهوم “الصورة”. وقد جاءت “الجبلة” في نص للفارابي يتحدث فيه عن “صور” الأجسام الصناعية؛ وهذه الصور قد سميت بأسماء، ثم نقلت تلك الأسماء فأطلقت للدلالة على العنصر الصوري في الأجسام الطبيعية [32]. ووقع لفظ “الحلية” أيضا في جامع لكتاب النفس لإسحق بن حنين؛ وكان إسحق هذا من أكابر التراجمة للنصوص الفلسفية، ولعله هنا إنما كان مترجما. فعرض إسحق محتوى الكتاب وأخبرنا أن ‹المؤلف› “ذكر الصورة وعلى كم معنى تقال، وأنها تكون حلية الشيء الذي هي صورته، وتكون النفس تفارق الجسم الذي هي فيه من غير فساد، وتكون غير مفارقة للجسم الذي هي فيه” [33]. ثم ذكر هذا اللفظ مرة أخرى على أنه مرادف للفظي “الصورة” و”الشكل”؛ ولعله ترجمة لليوناني (μορφή مورفي). وأصل هذه الكلمة في العربية ينعقد على معنى الزينة، ويطلق فيراد به على السواء حلي النساء وحسن صورة جسم الإنسان. نعم، هذا لفظ نادر؛ وليس هذا محل الاستفاضة فيه؛ إنما وجب التنبيه عليه، لأنه هو اللفظ عينه الذي ترجم إلى اللاتيني في كتاب الخير المحض، بقولهم: (Helyatin) أوYliatim))؛ ونص الترجمةEt intelligencia est habens helyatin, quoniam est esse et forma….  وقد اشتبه هذا اللفظ على الشراح بلفظ آخر، هو (Hayûlä  الهيولى)، أي “المادة”، وسيأتي ذكره، فحسبوا أن للعقل مادة [34].  وظل القوم على هذا الخطأ، ولم يزل بعد، مع أن لفظ “الحلية” لا ذكر له في نص كتاب الخير المحض الذي نشره بردنهيفر [35].  وعسى أن يكون في ذلك عبرة للساعي في “ترجمة الفلاسفة”، إلا أن هذا ليس محل الخوض فيها.

ومما يجدر ذكره أيضا لفظ آخر تجده في الترجمات العربية للعبارة عن معنى الصورة، هو “الخلقة”؛ وهو شائع الاستعمال في الترجمة العربية لكتاب السماع الطبيعي لأرسطو[36]، ترجم به تارة  (μορφή مورفي) وطورا (είδος إيدوس). وهذا اللفظ جدير بالاهتمام: فأصله الخاء واللام والدال، وينعقد معناه على الخلق والإنشاء؛ والصورة صادرة عن صناعة وصياغة. ولئن كان في هذا اللفظ ما يشير إلى العقيدة فسوف يكون ذلك من المفارقات، إذ يكون قد جيء به للدلالة على مفهوم “الصورة” الأرسطي، وهو مفهوم لا يمكن بحال أن يصدر عن “تكوين” (γένεσις  جناسيس).

واللغة العربية من الاتساع بحيث فيها ألفاظ أخر للعبارة عن مفهوم الصورة؛ لكن ليس بين أيدينا ترجمات معروفة استعملت فيها تلك الألفاظ؛ فلذلك نترك الكلام عليها؛ والراجح أن الفلاسفة الناطقين بالعربية قد اخترعوها، أو قل طوعوها لتفي بمقاصدهم المذهبية؛ فهم حقا أبو عذرتها، لكن إلى أجل مسمى.

أما مفهوم “المادة” فلعله نشأ عند أفلاطون، غير أن قلمه لم يسعفه باللفظة الفنية الملائمة، فكان أرسطو هو المخترع لها. تلك هي لفظة (هيولى)؛ والظاهر أن معناها تعين حقا على يد فيلسوف اسطغيرا. ولا يخفى على أحد ما كان من تداولها حتى استعملها الأفلاطونيون أنفسهم [37]، بل حتى استكثر منها أنصار الأفلاطونية المحدثة. وسترى أن التراجمة إلى العربي لم يجدوا اللفظ المناسب للعبارة عن هذا المفهوم من أول وهلة.

فقد استعمل لفظ “الطين” أو “الطينة” للدلالة على “المادة”. وهو لفظ قديم، يطلق على هذا الطين المعروف المستعمل في البناء. وهو من ألفاظ القرآن؛ ومعناه فيه – في معظم المواضع التي ورد فيها – هو الطين الذي برأ منه الخالق الإنسان [38] والطير [39]؛ وهذه مخلوقات من هذا العالم؛ أما الشيطان فخلق من نار (الأعراف 7، 12 ) وفي موضعين منه ليس المراد بالطين ما منه يخلق الكائن الحي. والموضع الأول ذكر فيه رسل إبراهيم وأنهم بعثوا إلى قوم مجرمين ليرسلوا عليهم “حجارة من طين”، وهي حجارة مسوّمة.

وفي الموضع الثاني، وهو في سورة القصص (28، 38،) جاء لفظ الطين بمعنى يجب ذكره؛ ذلك أن فرعون أراد الازدراء بدين موسى فأمر خادمه هامان بأن يوقد له على الطين [40] ويبني له صرحا لعله يلقى فيه إله موسى؛ لكن موسى كان كاذبا، فلم يصنع من ذلك شيئا. فالطين هاهنا مادة البناء؛ وهو ما قد يذهب بالمرء إلى الظن بأن التراجمة أخذوا بعين الاعتبار معنى هذا اللفظ في القرآن، فترجموا به لفظ الهيولى اليوناني؛ إلا أن من ظن ذلك قد نسي أن التراجمة – مع معرفتهم بالإسلام، ومع أنهم أحيانا ناظروا المسلمين في مسائل من العقيدة – لم يتخذوا القرآن أصلا للمعجم الفلسفي. والأرجح أنهم أنعموا النظر في سبب اختيار المفكرين اليونانيين لذلك اللفظ. ففي بلاد اليونان ما من شك في أن مادة البناء الأولى كانت هي الخشب (وأن الأعمدة القديمة إنما هي – إذا صحت العبارة – “معدنة” لجذوع الأشجار)؛ وعلى ذلك قال اللاتين Silva (غابة)، فصار لهذه الكلمة ما للفظ “المادة” من معنى فلسفي[41]. أما في بلاد ما بين النهرين فمادة البناء هي الطين، ومنها كانوا يصنعون الآجر (غير المطبوخ)؛ واللفظ المستعمل للدلالة عليها هو “الطين”؛ فالراجح أن هذا هو الأصل في استعمالهم لها ترجمة للفظة اليونانية “هيولى”.

ومن ألفاظ السريانية لفظ  Tyno، ومعناه الوحل، وهو الذي يترجم به اللفظ اليوناني ( μηλόςميلوس) [42]. و”الطينة” في كتاب النفس(I 1, 403b18) هي ترجمة “الهيولى” اليوناني (ص 7، 13 من نشرة بدوي)؛ وهي التي يعبر بها في الأغلب الأعم عن المادة إخوان الصفاء والكندي وابن سينا.

واستعملوا أيضا للدلالة على معنى المادة لفظ “المادة”؛ بل كان أكثر تداولا من “الطينة”. وهو يوحي بمعنى الامتداد؛ فلذلك قد يتبادر إلى الذهن أنه استعمل ترجمة لمفهوم (χώρα  خورا)، وهو “المادة”، وقد ورد في طيماوس[43]؛ لكن لا شيء يدل على أن الأمر كان كذلك.

وقد ظل لفظ “المادة” شائع الاستعمال عند الفلاسفة الناطقين بالعربية، منافسا ومرادفا للفظ آخر يوناني معرّب عن السرياني، هو لفظ “الهيولى “[44]؛ وهو كثير التداول على ألسنة الفلاسفة الناطقين بالعربية؛ والظاهر أن ابن رشد قد فضله على لفظ “المادة”.

وورد في بعض الترجمات لفظ “العنصر”؛ ومعناه “المبدأ” أو “الأصل”؛ إلا أنه أكثر ما استعمل مقابلا للفظ “الهيولى” اليوناني في الترجمات العربية للنصوص الفلسفية. والفقرة التي جاءت في Placita[45]تحت عنوان ( Περί ϋλης  فيري هوليس، في الهيولى) (I 9, 882C، ص 59، 1 من نشرة مو Mau) جاءت هكذا في العربية: “في العنصر” (ص 115، 7 من نشرة بدوي)، وحيثما ورد ذلك اللفظ فهو مقابل للفظ “الهيولى” اليوناني.

وفي ما بعد الطبيعة لأرسطو ترجم لفظ “الهيولى” بلفظ “العنصر”، في ترجمت أسطاث [46]، ومنها مقتطفات كثيرة في حواشي الكتابين α وΛ  (النص V من نشرة بويج، في أسفل الصفحة)، وفي مأخوذات  Λ، من 6, 1072b16  إلى نهاية هذا الكتاب. ولم يرد لفظ “المادة” سوى مرتين (في Λ 2, 1069b24 = ص 1443، 3 من نشرة بدوي، وفي Β 3, 1070a2 = ص 1452 منها)؛ ولا ذكر البتة للفظ “الهيولى”.

و”الهيولى” هذه وقعت في ترجمة حنين بن إسحق لكتاب  α؛ وفي ترجمة أبي بشر متى [بن يونس] لمأخوذات Λ (إلى 1072b16) تردد بين “الهيولى” و”المادة”[47]. وكفى بذلك شاهدا على أن اللفظين مترادفان؛ وهما بعدُ الجاريان على لسان ابن سينا.

والسبب في ترك لفظ “العنصر” للدلالة على معنى “المادة” هو أنه قد استعمل أيضا ترجمة لليوناني στοιχείον (الأسطقس)؛ فكان ينشأ عن ذلك لبس خطير. وهذا اللبس هو الذي درأه التراجمة بتخصيص مفهوم العنصر بلفظ “الأسطقس”، وهو يوناني معرب عن السرياني. وهذا المثال كاف في تقدير ذلك: فقد ذكر نمسيوس في كتابه De Natura Hominis[48] (طبيعة الإنسان) مذهب المانوية، وعندهم أن الأنفس الطاهرة تصعد إلى النور لأنه جوهرها، وأن الأنفس الفاسدة تنزل إلى العناصر ومنها تحل في النبات والحيوان؛ فجاء في قطعة من الترجمة العربية المخطوطة[49]ما يلي: “أما الأنفس التي شابتها المادة فتحل في العناصر، ثم تنتقل من العناصر إلى النبات والحيوان”[50]؛ فلولا النص اليوناني لتعذر فهم هذا الجمع، وهو “العناصر”، على أن المراد به “الأسطقسات”. ولعل القراءة الواردة في المخطوطات الأخرى – وبينها قرابة – إنما هي إصلاح لهذه الترجمة – من النص اليوناني أو من الترجمة السريانية، وهذا أرجح؛ ونصها: ” الأنفس التي شابتها… تحل في الأسطقسات، ثم منها في النبات أو في الحيوان”[51]. وفي العناية بالضبط التي يشهد عليها ذلك الإصلاح (إن كان هذا تأويله الصحيح) إكبار للترجمان. وقد ذهب الناشر إلى أن هذه الترجمة من عمل إسحق بن حنين؛ لكن بين أيدينا هاهنا أثرين اثنين: فهل أصلح هذا الترجمان ترجمة له قديمة؟ أم أصلح ترجمة غيره؟ نترك الإجابة عن هذه الأسئلة لمن هو أعلم بها.

لقد أوقفتنا الترجمات العربية على أربعة ألفاظ استعملت للدلالة على “المادة”، وهي من المفاهيم المهمة؛ بعضها معرب عن اليوناني، وبعضها الآخر وليد مهارة التراجمة.

2. ترجمة المعنى الأصلي

قدمنا أن لفظ μορφή (مورفي) ترجم بلفظ “المنظر”، ولعله مقابل للفظ είδος (إيدوس) من حيث معناه الأصلي. وجاء ترجمان آخر فترجم اللفظ الدال على أحد مبدأي أنبادقليس، وهو νείκος (نيكوس، الضغينة)، بلفظ عربي صار فيما بعد شائع الاستعمال في ذلك السياق؛ فكان له الفضل في إغناء اللفظ العربي بمعنى جديد، بمعنى فلسفي محض؛ وذاك اللفظ هو “الغلبة”، ومعناه في المعتاد “النصر” و”المكاثرة”. والسبب في انتقال ذلك المعنى في الترجمات إنما هو خطأ ظاهر؛ ذلك أن يونانية العصور المتأخرة تعبر عن معنى النصر لا بلفظ νίκη (نيكي) (في قولهم: ή νίκη، إ نيكي)، بل بلفظ νίκος (نيكوس) (في قولهم: τό νίκος، طو نيكوس)؛ وهو ما جاء في إنجيل متى، 12، 20 وفي رسالة كورنثوس الأولى، 15، 54-55-57[52]. ولفظ “الغلبة” ليس من الألفاظ القرآنية؛ نعم، هذا الأصل، أعني الغين واللام والباء، واقع في القرآن، لكن الاسم المستعمل فيه للعبارة عن معنى “النصر” هو لفظ “النصر” نفسه، في قريب من عشرين موضعا. وفي الترجمات (الحديثة؟) للأناجيل ورد لفظ “الغلبة” (وورد في الموضع المذكور من إنجيل متى في ترجمة أخرى لفظ “النصرة”). واللفظان اليونانيان من أصل واحد، لكن معناهما يختلف؛ فلعل التراجمة الأوائل تشابه عليهم نطقهما، وكانوا على علم بالأناجيل، فظنوا حقا أن أنبادقليس  قد جعل من هذه “الغلبة” مبدأ. غير أن الراجح أن قراء تلك الترجمات والشراح قد فطنوا إلى الفرق بينهما، ولم يشتبه عليهم معنيا “الغلبة”، كما لم يتشابه على قراء أرسطو معنيا “الهيولى”.

ولفظ “الغلبة” هو الوارد في ترجمة أسطاث لكتاب ما بعد الطبيعة لأرسطو[53]؛ وهو اللفظ الذي اختار استعماله مترجم كتاب النفس[54]؛ وفي السماع الطبيعي ترجمت νείκος (نيكوس) حيثما وردت بلفظ “الغلبة” لا غير[55]، وفيه فقرة يجب التنويه بها: ففي I 5, 188b34 منه عاد أرسطو إلى ذكر المتقدمين وانتقد رأيهم، لاسيما الذين يرون منهم أن الأضداد مبادئ؛ فكيف تكون “الغلبة” أو “المكاثرة” ضد “المحبة” أو “الصداقة”؟ لاشك أن الترجمان قد حمل “الغلبة” على معنى “الخصومة”، على معنى “الفتنة”، وهو معنى يؤديه السياق الفلسفي[56].

وللفظ νείκος (نيكوس) ترجمة أخرى بلفظ معناه المعروف هو “الكراهية” و”الشحناء” و”الضغينة”، وهو لفظ “العداوة”. وقد استعمله أبو بشر متى في الترجمة العربية لكتاب ما بعد الطبيعة، في Λ 6, 1072a6 (ص 1575، 7)؛ ومن الجدير بالذكر أن ابن رشد في شرحه للمأخوذ B 4, 1000b4، وفيه “الغلبة” (ص 249، 6)، قد استبدل به لفظ “العداوة” في ما اقتبسه منه (ص 256، 15)؛ فمعنى ذلك أنه لا يحمل “الغلبة” على معناها المعروف، وهو “النصر”، بل على المعنى الذي أراده أنبادقليس بلفظ νείκος (نيكوس). وفي هذا الصدد ينبغي التنويه بترجمة إسحق بن حنين لكتاب “الألف الصغرى”، 2, 994a7: فقد قال في νείκος (نيكوس): “الغلبة العداوية”؛ أما أسطاث (في الترجمة V، 16، 5 من نشرة بويج) فإنما قال “الغلبة” وكف. ولا نشك في أننا هنا نعاين “نشأة” لفظ اكتسب مع مرور الأزمنة معنى جديدا، معنى فلسفيا. وسوف يترجم اللاتين في القرون الوسطى لفظ “الغلبة” في ما بعد الطبيعة بقولهم Lis، في الأغلب الأعم. لقد اغتنى المعجم الفلسفي العربي إذن هنا بلفظ جديد، خاص بمذهب بعينه.

3. صدأ مغار أنبادقليس

نبقى مع أنبادقليس في المثال الآتي. وصلت إلينا الترجمات في نسخ – أقدمهن مخطوطات – لا تخلو من أخطاء[57]قد يكون مردها إلى أخطاء في القراءة. ومواطن الخطأ كثيرة في العربية، لاسيما في رسم ألفاظها، إذ لا عبرة فيها – إلا لماما – بالحركات غير الممدودة، ولأن بعض حروفها لا يتميز من بعض إلا بالنقط. وقد يكون مصدر الخطأ في القراءة المادة التي استعملت للكتابة؛ وهذا شاهد على ذلك.

ففي أثولوجيا المنسوب إلى أرسطو، وهو نص عربي اشتمل في غير ترتيب على طرف صالح من تساعات أفلوطين (الرابع والخامس والسادس)، مع بضع زيادات تطول وتقصر، في نسخ بعضها أخطاء ظاهرة، إلا أن تكون شروحا مقحمة في المتن – أقول: في أثولوجيا[58]ورد أن أفلاطون قال: “إن البدن للنفس إنما هو كالمغار؛ وقد وافقه على ذلك أنبادقليس، غير أنه يسمي البدن الصدأ؛ وإنما عنى أنبادقليس بالصدأ هذا العالم بأسره”[59].

فما سماه أفلاطون (في الجمهورية، VII, 514a) σπήλαιον (سبيلايون) قد ترجم إلى العربية بلفظ “المغار”، وجاء “صدأ” أنبادقليس في بعض النسخ “صداء” وفي بعضها الآخر “صدى”، ومعناه “صدأ المعدن” (ويقابله اليوناني ίος). وليس في نص أفلوطين ولا في التراث الصحيح المنقول عن أنبادقليس ما يُعلَم به كيف تمخض لفظ άντρον (أنطرون، المغار) اليوناني في نص أفلوطين عن لفظ “الصدأ”. قد يتبادر إلى الذهن أن خطأ في النسخ هو السبب في تصحيف الكلمة التي أرادها المترجم حقا بالكلمة التي هي محل النظر هنا؛ لكن لم يفلح أحد – على كثرة الجهود المبذولة – في إثبات ذلك. وفي عنوان هذه الأثولوجيا المنسوبة إلى أرسطو في عدة نسخ إشارة إلى أنها ترجمت عن السرياني؛ فرأى لويس في ذلك رأيا أثبته في أطروحة لم تنشر بعد، وهو أن إحدى الكلمات الدالة في السرياني على “المغار”، و هي “شقفا” Sheqphâ، قد صحفها ناسخ أو قارئ بلفظ “شقبا” Shûqpâ، ومعناه “الصدأ” – غير أنه صدأ النبات، وهو المسمى باليوناني έρυσίθη (إيروسيثي). ولاشك أن معرفة التراجمة بعلم النبات كانت محدودة (مع أن ترجمة ديوسقوريدس تشهد على كفاءة عالية في هذا الباب)؛ إلا أنه من العسير أن نتخيل كيف تحول الصدا “النباتي” صدأ “معدنيا” بالنقل من السرياني إلى العربي. أضف إلى ذلك أن رأي لويس يقتضي التسليم بصحة ما جاء في فاتحة الكتاب، وهو أنه “نقله إلى العربية عبد المسيح بن عبد الله بن ناعمة الحمصي” عن السريانية[60]. لكن زيمرمان، وهو من العلماء المتبحرين، تصدى بالأمس القريب لهذه القضية، وجزم بأن نص أفلوطين قد ترجم إلى العربية مباشرة عن اليونانية[61]؛ وأن شيئا أصاب نسخة تلك الترجمة، فكان السبب في استقلال أثولوجيا هذه ونسبتها إلى أرسطو؛ وذلك أن بعض العلماء المتبحرين (ممن كان يرتاد حلقة الكندي) أشفق من ضياع ما حوته ورقات متناثرة، فجمعها، فكان منها هذا الكتاب. فإذا صح أن صدأ أنبادقليس نشأ عن حادث طارئ فليس مرد ذلك إلى الترجمة السريانية لنص أفلوطين.

وعند إنعام النظر في هذه القضية يتضح – مع ذلك – أن لفظا سريانيا هو الذي استعمل من غير شك ترجمة للفظ اليوناني άντρον (أنطرون)، وهو لفظ Kôhtô، وتتصدره “كاف”، وهو حرف رسمه شبيه بمثلث صغير منزوع الضلع الأيسر، أي منفتح من الجهة اليسرى. وكان في الورق المشرقي لعهود كثيرة بضعة عيوب أحيانا، فكان المداد ينتشر في بعض المواضع. فلعل “الكاف” المذكورة قد “انطمست” فصار من شأنها أن تشتبه بحرف آخر، يتبادر إلى الذهن هاهنا أنه “الشين”، ويبدو رسمه كأنه بقعة صغيرة من المداد على هيئة المثلث. ويتفق أن في السريانية لفظا أوله شين، هو لفظ Shôhtô[62]، ومعناه صدأ المعدن عينه؛ فلعله استعمل ترجمة للفظ ίος (إيوس)، ومن الممكن ترجمته باللفظ العربي “الصدأ”.

فإذا صح تقديرنا يكون هذا الطارئ المادي هو الأصل في خطأ ينبغي تبرئة ساحة المترجم منه، لأن الراجح أنه اتبع هنا النص الأصلي ولم يحد عنه. والنتيجة أن هذا الرأي الذي اقترحناه هنا من شأنه أن يؤيد الرأي الذاهب إلى أن أثولوجيا أرسطو ترجمت عن نص سرياني قد يكون هو نفسه ترجمة لنص أفلوطين اليوناني. وإذا ثبت أن تراجمة النصوص الفلسفية اليونانية إلى العربي كانوا من السريان، وأنهم لذلك قد تصوروا في أذهانهم ترجمة سريانية ثم كتبوها أو أملوها بالعربي معتقدين أن ذلك يفي بالأصل المنقول عنه، فالتحليل الذي عرضناه هنا من شأنه أن يؤيد الرأي القائل بأن الترجمة سريانية، وأنها كتبت على الورق بقلم ومداد؛ فتكون القراءة التي بين أيدينا عندئذ ناجمة لا عن اشتباه الحروف بعضها ببعض، بل عن خطأ في قراءتها، لأنه عرض أن حرفا منها ينعطف حتى يكاد ينغلق في رسمه قد “انطمس” بالمداد المنتشر على الورق، فصار مغار أنبادقليس صدأ. وهذه النادرة لا تطعن في مهارة التراجمة: فقد اضطرهم واقع الحال إلى تزويد اللغة العربية باصطلاحات خاصة بالتعبير الفلسفي؛ إلا أن فيها عبرة لقراء نصوص الفلاسفة، وذلك أن تاريخ تلك النصوص لا يمكن تصوره في استقلال عن تاريخ فقه اللغة، ولو مشخصا في أضيق مباحثه، وهو البحث الأثري في المخطوطات[63].

نعم، هذا مجال خصب للبحث خليق به. ومن نتائجه أنك تقف في أغلب الأحيان في الترجمات العربية على ما يمكن تسميته “الترجمة المضاعفة”، وفيها يترجم اللفظ الواحد – اسما كان أو فعلا أو صفة أو غير ذلك – بلفظين اثنين. وفي أغلب الأحيان أيضا تتحقق أن هذه الترجمة المضاعفة إنما تنطق عن عناية الترجمان، وعن طلبه الإحاطة بأبلغ ما يمكن من الدقة بدلالة اللفظ الأصلي (اليوناني مثلا). ولك أيضا أن تنظر في الترجمات الشارحة، وتنم هي أيضا عن العناية نفسها، لكن لأسباب تأويلية أحيانا. وفي الحالتين معا ترى إرهاصات التجديد الفلسفي، لأن الترجمات الحرفية لتلك النصوص المترجمة من شأنها أن تفتح آفاقا جديدة في المذهب الفلسفي نفسه. فكثير من الترجمات من اليوناني إلى العربي، وكثير من النصوص العربية المستوحاة من تلك الترجمات، قد ترجمه في القرون الوسطى إلى اللاتيني أو إلى العبري (ثم منه في الأغلب إلى اللاتيني) تراجمة لم يكونوا جميعا على قدم واحدة في الإحاطة بالنصوص الفلسفية لقدماء اللاتين. فجاءت الترجمات من العربي إلى اللاتيني بمعجم لاتيني مخالف أحيانا لمعجم نصوص القدماء، مثل شيشرون وسنيكا وكنتليانس وأغسطين وخلقديوس[64]وغيرهم. وما من شك أن هذا أصل تعدد مفاهيم الفلسفة الناطقة بلاتينية القرون الوسطى. وهذا واقع يجدر العناية به: فمن شأنه أن يوقف على النشأة الأولى لكثير من المفاهيم التي تنبني عليها أحدث الفلسفات.

ملحق

وقد كان أيضا متداولا نوعَ تداول لفظ آخر، ترجموا به أوسيا ούσία، هو لفظ “الأيس”؛ والشبه بينهما إن لم يكن من الاتفاقات الغريبة فهو من الاختراعات العجيبة. وقد ذكره الخوارزمي الكاتب في “فصل في مواضعات متكلمي الإسلام” من كتابه مفاتيح العلوم؛ قال: “أيسَ هو خلاف ليس؛ قال الخليل بن أحمد: “ليس” إنما كان “لا أيس”؛ فأسقطوا الهمزة، وجمعوا بين اللام والياء؛ والدليل على ذلك قول العرب: ائتني بكذا من حيث أيسَ وليس”. وفي معجم مقاييس اللغة(2/164): “أيس: الهمزة والياء والسين ليس أصلا يقاس عليه، ولم يأت فيه إلا كلمتان ما أحسبهما من كلام العرب؛ وقد ذكرناهما لذكر الخليل إياهما. قال الخليل: أيْسَ كلمة أُميتت؛ غير أن العرب تقول: ائت به من حيث أيسَ وليس. لم يستعمل أيسَ إلا في هذه فقط؛ وإنما معناها كمعنى حيث هو في حال الكينونة والوُجد والجِدَة. وقال: إن ليس معناها “لا أيس”، أي لا وُجْدَ. والكلمة الأخرى قول الخليل: إن التأييس الاستقلال؛ يقال: ما أيّسنا فلانا، أي ما استقللنا منه خيرا”. وفي المعجم الفلسفي(1/183-184؛ وراجع فيه أيضا 2/295): “أيسَ لفظ مهجور؛ تقول: جيء به من أيسَ وليس، أي من حيث هو وليس هو. قال الليث: أيسَ كلمة قد أُميتت، إلا أن الخليل ذكر أن العرب تقول: جيء به من أيسَ وليس، أي من حيث هو موجود وغير موجود. ولم تستعمل أيسَ إلا في هذه العبارة؛ وإنما معناها كمعنى حيث هو في حال الكينونة والوُجد. وأيسَ ضد ليسَ أو لا أيسَ؛ ومعنى لا أيسَ: لا وجد ولا وجود. وقد استعمل الفلاسفة أيسَ بمعنى الوجود والموجود، كما استعملوا ليس بمعنى العدم والمعدوم. قال الكندي: “يتضح لك أن الله جل ثناؤه هو الإنّيّة الحق التي لم تكن ليس، ولا تكون ليساً أبدا؛ لم يزل ولا يزال أيسَ أبدا؛ وأنه هو الحي الواحد الذي لا يتكثر بتة؛ وأنه هو العلة الأولى التي لا علة لها، الفاعلة التي لا فاعل لها، والمتممة التي لا متمم لها، والمؤيّس الكلَّ عن ليس، والمصيّر بعضَه لبعض أسبابا وعللا” (كتاب الإبانة عن العلة الفاعلة القريبة للكون والفساد، من رسائل الكندي، حققه محمد عبد الهادي أبو ريدة، ص 215، القاهرة، 1950). وقال أيضا: “الفعل الحقي الأول تأييس الأيسات عن ليس؛ وهذا الفعل بيّن أنه خاصة لله تعالى الذي هو غاية كل علة؛ فإن تأييس الأيسات عن ليسَ ليس لغيره” (راجع رسالة الفاعل الحق الأول التام والفاعل الناقص الذي هو بالمجاز، المصدر نفسه، ص 172-183). – قلت: وراجع في الكتاب المذكور على الخصوص “الفن الثالث من الجزء الأول”، ص 58-60، وأيضا في رسالة الكندي في “الفاعل الحق” تعليق المحقق على “التأييس”. – وقال ابن سينا: “ومنها مثل أن يكون الشيء عالما بأن شيئا ليس، ثم يحدث الشيء، فيصير عالما بأن الشيء أيس” (الإشارات [والتنبيهات]، ص 174. قلت: توافقها 3/292 من ط دار المعارف. المترجم). فأنت ترى أن لفظ “أيس” يدل عندهم على الوجود أو الموجود، وهو كما قلت ضد “ليس” الدال على العدم أو المعدوم. والمؤيّس عندهم هو الموجد؛ والتأييس هو التأثير أو الإيجاد”. قلت: وقال ابن سينا أيضا (في الشفاء، من الإلهيات، ص 266-267): “فإذا كان شيء من الأشياء لذاته سببا لوجود شيء آخر دائما كان سببا له دائما ما دامت ذاته موجودة؛ فإن كان دائم الوجود كان معلوله دائم الوجود؛ فيكون مثلُ هذا من العلل أولى بالعلّية لأنه يمنع مطلق العدم للشيء؛ فهو الذي يعطي الوجود التام للشيء. فهذا هو المعنى الذي يسمى إبداعا عند الحكماء، وهو تأييس الشيء بعد ليسٍ مطلق؛ فإن للمعلول في نفسه أن يكون “ليسَ”، ويكون له عن علته أن يكون “أيسَ”. والذي يكون للشيء في نفسه أقدمُ عند الذهن بالذات لا في الزمان من الذي يكون عن غيره؛ فيكون كل معلول “أيسا” بعد “ليسٍ” بَعدية بالذات. فإن أطلق اسم المحدَث على كل ما له “أيسٌ” بعد “ليسٍ”، وإن لم تكن بعدية بالزمان، كان كل معلول محدثا. (…) إذا توهمنا شيئا وُجد عن علة أولى بتوسط علة وسطى فاعلية… فليس تأييسه عن “ليسٍ” مطلقا، بل عن “أيسٍ”، وإن لم يكن ماديا”. وقال أيضا (ص 342): “فإذن كل شيء – إلا الواحد الذي هو لذاته واحد، والموجود الذي هو لذاته موجود – فإنه مستفيد الوجود عن غيره، وهو أيسٌ به، وليسٌ في ذاته؛ وهذا معنى كون الشيء مبدَعا، أي نائلَ الوجود عن غيره… والتأييس المطلق ليس تأييسا ما”.

واللفظ الآخر الذي كثر استعماله للدلالة على الوجود والموجود هو لفظ “الإنّيّة”؛ وهو اصطلاح فلسفي قديم؛ ولو عُرف ضبطه لتعيّن أصله: ذلك أن له شكلين اثنين: “آنيّة” و”إنّيّة”، وقد فصل القول في ضبطهما وأصلهما الدكتور أبو ريدة في حواشي تحقيق رسائل الكندي الفلسفية. فليراجع هناك.

مصادر الترجمة

القرآن

أجزاء الحيوان، لأرسطوطاليس، ترجمة يوحنا بن البطريق، حققه عبد الرحمن بدوي، الكويت، 1978

إحصاء العلوم، للفارابي، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1991

إخبار العلماء بأخبار الحكماء، للقفطي، مكتبة المثنى، القاهرة

الإشارات والتنبيهات، لابن سينا، دار المعارف، القاهرة، ط 3، 1983

الشفاء، من الإلهيات، لابن سينا، تحقيق الأب قنواتي وسعيد زايد، بمناسبة الذكرى الألفية للشيخ الرئيس

أفلوطين عند العرب، نشره عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، 1955

الإنجيل، جمعية الكتاب المقدس في لبنان، 1995

التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، لعبد الرحمن بدوي، دار القلم، بيروت، ط 4، 1980

عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة، دار الثقافة، بيروت، لبنان، ط 3، 1981/1401

الفهرست، لابن النديم، دار المعرفة، بيروت؛ وطبعة فلوغل (ط مصورة)، بيروت، لبنان، 1964

لسان العرب، لابن منظور

معجم الألفاظ الفارسية المعرّبة، للسيد أدي شير، مكتبة لبنان، بيروت، 1990

المعجم الفلسفي، لجميل صليبا، الشركة العالمية للكتاب، بيروت، 1994/1414

معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، 1411/1991

المعجم الوسيط، لإبراهيم أنيس وآخرين، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ط 2، 1972

مفاتيح العلوم، للخوارزمي الكاتب، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط 2، 1409/1989

الملل والنحل، للشهرستاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1412/1992

نص تلخيص منطق أرسطو، لابن رشد، تحقيق جيرار جهامي، دار الفكر اللبناني، بيروت، 1992

وفيات الأعيان، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، لبنان، 1994

مجلة التاريخ العربي، جمعية المؤرخين المغاربة، العدد 50، خريف 1430/2009

Aristote, De l’âme, trad., notes et index par J. Tricot, Paris, Librairie philosophique J. Vrin, 1977


[1] عنوان المقالة الأصلي:P. THILLET, “Remarques sur les traductions de textes philosophiques du grec en arabe”؛ وقد نشرت في:Traduire les philosophes, Actes des Journées d’étude organisées en 1992 par le Centre d’Histoire des Systèmes de Pensée Moderne de l’Université de Paris I (U.F.R. de Philosophie), sous la direction de Jacques Moutaux et Olivier Bloch, Publications de la Sorbonne, 2000 ترجمة الفلاسفة، وقائع الأيام الدراسية التي نظمها مركز تاريخ الأنظمة الفكرية الحديثة بجامعة باريسI، سنة 1992، تحت إشراف جاك موتو وأوليفي بلوش، منشورات السربون، 2000، ص 271-284. (المترجم)

[2] أستاذ الترجمة سابقا بالمدرسة العليا للأساتذة بمراكش، المغرب.

[3] هذه السنة تقابلها سنة 133 هـ. والمعروف في التاريخ الإسلامي عن بغداد “أن المنصور أنشأها في مدة خلافته؛ فاختطها في سنة أربعين ومائة (757-758)؛ واستتم بناءها ونزلها في سنة ست وأربعين (763-764)؛ وفي سنة تسع وأربعين (766-767) تم جميع بنائها؛ وهي بغداد القديمة…” (وفيات الأعيان، 2/154). (المترجم

[4] معظم الأدب السرياني من وضع الرهبان؛ غير أن عنايتهم بالطب وبعلوم غيره لا مراء فيها. أما المنطق فكان يستعمل في المناظرات اللاهوتية؛ وهو مأخوذ عن أرسطو، أو قل عن الرسائل الأولى من الأرغانون، وهي: المقولات والعبارة والقياس (إلى حدود الفصل السابع من المقالة الأولى). وقد كان تعلم المنطق عندهم مما لابد منه لدراسة الطب (وهاهنا يتجلى تأثير جالينوس).

قلت: و”الأرغانون” لفظ يوناني معناه “الآلة”. وهو جامع مؤلفات أرسطو في المنطق (وهي: المقولات والعبارة والقياس والبرهان والجدل والمغالطة؛ وقد سمتها الأوائل على التوالي: قاطيغورياس وباري أرمينياس وأنالوطيقى الأول وأنالوطيقى الثاني – ويسمى أيضا أبوديقطيقا – وطوبيقا وسوفسطيقا). وإطلاق لفظ الآلة عليه يفيد أنه ليس جزءا من المعرفة، وإنما هو أداتها. راجع ابن النديم، الفهرست، في ترجمة أرسطو. (المترجم)

[5] لم تتجاوز الترجمات السريانية لكتاب القياس (ويسمى أنالوطيقى الأول) الفصل السابع من المقالة الأولى؛ والعلة في ذلك – نقلا عن الفارابي – أن بقية النص فيها ضرر على عقيدة النصارى. راجعM. Meyerhof, “Von Alexandrien nach Baghdad.Ein Beitrag zur Geschichte des philosophischen und medizinischen Unterrichts bei den Arabern”, Sitzungsberichte der preussischen Akademie der Wissenschaften, Berlin, 23, 1930, p. 389-429.

قلت: وترجمة هذه المقالة في التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، ص 37-100. و”أنالوطيقى” يسمى أيضا “التحليلات”، ومنها “تحليلات أول”، وهي “القياس”، و”تحليلات ثان”، وهي “البرهان”. (المترجم)

[6] فيG. Bergsträsser, “Hunain ibn Ishāq. Űber die syrischen und arabischen Galen-Űbersetzungen” (Abhandlungen fűr die Kunde des Morgenländes, 17, 2), Leipzig, 1925  أن بعض نصوص بقراط وجالينوس قد ترجمت ترجمة أولى إلى السرياني، ثم نقلت إلى العربي، على يد ترجمان واحد أحيانا.

قلت: في الفهرست (في ترجمة بقراط): “كتاب عهد بقراط بتفسير جالينوس، ترجمه حنين إلى السريانية وأضاف إليه شيئا من جهته، وترجمه حبيش [بن الحسن الأعسم، ابن أخت حنين بن إسحاق] وعيسى بن يحيى إلى العربية، مقالة”. فهذا كتاب واحد لبقراط، وليس ناقله إلى السرياني هو ناقله إلى العربي. وفي الفهرست أيضا (في ترجمة جالينوس): “من سعادات حنين أن ما نقله حبيش بن الحسن وعيسى بن يحيى وغيرهما إلى العربي يُنحل إلى حنين. وإذا رجعنا إلى فهرست كتب جالينوس الذي عمله حنين لعلي بن يحيى علمنا أن الذي نقل حنين أكثرُه إلى السرياني، وربما أصلح العربي من نقل غيره أو تصفحه”. وفي عيون الأنباء(في ترجمة حنين): “ووجدت بعض الكتب الست عشرة لجالينوس، وقد نقلها من الرومية إلى السريانية سرجس المتطبب، ونقلها من السريانية إلى العربية موسى بن خالد الترجمان. فلما طالعتها وتأملت ألفاظها تبين لي بين نقلها وبين الست عشرة التي هي نقل حنين تباين كبير وتفاوت بيّن”. ولعل التوفيق بين الخبرين هو عمدة المؤلف المذكور هنا في ما جزم به. (المترجم)

[7] نعم، من الترجمات ما نقل من اليوناني إلى العربي بغير وسيط، لكن الراجح أن الترجمان كان آنئذ ينقل النص الذي يقرأه (باليوناني) نقلا ذهنيا إلى السرياني (لغته الأم)، ثم يحوله إلى العربي. فكأنه كان بين يديه منوال يسهل عليه الكتابة بالعربي. وإنما هذا رجم بالغيب، غير أن رجحانه مبني 1ً على وجود بعض العبارات السريانية الأسلوب في العربية، و2ً على عدم توفر العربية على الاصطلاحات المناسبة للتعبير عن المفاهيم الفلسفية، و3ً على أن العربية – وإن سلمنا أنها كانت لغة التواصل بين التراجمة الأوائل – لم تكن هي اللغة الثقافية.

[8] اقترح بعضهم أن يترجم لفظούσία  بلفظ “Essence” أو بلفظ  “Etance”، غير أن لفظ “Substance” ما زال مستعملا مقبولا. وقد رجع ب. أوبنك عن هذه البدع، وعاد إلى استعمال لفظ “Substance”، وبين سبب ذلك فيP. Aubenque, “Plotin et Dexippe, exégètes des Catégories d’Aristote”, Aristotelica, Mélanges Marcel de Corte (Cahiers de philosophie ancienne, no 3), Bruxelles/Liège, 1985, p. 12-12, n. 11.

[9] ليس في العربية فعل الوجود Etre، حتى يتيسر فيها ترجمة هذه العبارات اليونانية τό όν و τό είναι وغيرها؛ فبذل التراجمة في سبيل ذلك جهودا عظيمة، يشهد عليها اختلاف المعادلات المقترحة؛ ولعلهم لم يفطنوا إلى أن  είναι وούσία  من أصل واحد.

قلت: راجع في آخر هذه المقالة الملحق الذي عقدنا فيه الكلام على الألفاظ الأخر التي استعملها التراجمة للعبارة عن الكينونة. (المترجم)

[10] راجع في ترجمةείναι إلى العربيةA.-M. Goichon, La Philosophie d’Avicenne et son influence en Europe Occidentale, Paris, Adrien-Maisonneuve, 1944, p. 62-63؛ وR. M. Frank, “The Origins of the Arabic Philosophical Term Anniyya”, Cahiers de Byrsa, 6, 1956, p. 181-211؛ وG. Endress, Proclus Arabus, Beyrouth/Wiesbaden, 1979, p. 76-109.

[11] الصيغ الثلاثة الأول أفعال، معناها جميعا “فعل الكينونة” (أو الوجود)؛ ومعنى الرابعة: “ما به الشيء هوَ هو”. (المترجم)

[12] في معجم الألفاظ الفارسية المعرّبة (ص 46): “الجوهر: الأصل، وكل حجر كريم. تعريب: كَوْهَر [بالكاف المعقودة]. والجَوْفَر لغة فيه”. (المترجم)

[13] راجع  Hérodote, I 92, 15؛ وPlaton, Rép. VIII 551b3؛ وLois, III 684d5؛ وLysias, Pour l’Invalide, I 11. والظاهر أن المعنى في العربية ينظر إلى معنى ڴُهر في الفهلوية، وهو “النمو”؛ وأن ڱَوْهَر في الفارسية يفيد أحيانا معنى “الجوهر” في الفلسفة. لكن لا سبيل إلى معرفة أصل اللفظة العربية؛ غير أن المعروف عند أرسطو – وعند أفلاطون قبله – أن “الجوهر” نقيض “النمو”. ولعل تداول النصوص الفلسفية العربية هو الأصل في استعمال لفظ “الجوهر” بمعناه الفلسفي في الفارسية.

[14] ووردت ألفاظ أخر، منها “الذات”، ويقتضي الانعكاس (وأكثر ما يستعمل ترجمة للفظ αύτός أوطس، في قولهمκαθ αύτόν ، ولفظ “العين” (ومعناه “عين الماء” و”الباصرة” و”النفائس”).

[15] وردت تلك العبارة في كتاب “ما بعد الطبيعة” لأرسطو، في الفقرة  VII, 4, 1030a؛ وقد قدمنا أن معناها “ما به الشيء هوَ هو” (راجع مادة “ماهية” في دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة الفرنسية E.I.2 (المترجم).

[16] قال ابن رشد (في نص تلخيص منطق أرسطو، المجلد السادس، ص 504): “إن الحد هو القول الدال على ماهية الشيء التي بها وجوده الذي يخصه”. (المترجم).

[17] في المتن: “III 1, 245a18″؛ وهو خطأ مطبعي. راجع Aristote, De l’âme, p. 148-149. وقد تركنا الإحالة على هذه الكتب بلغة الأصل هنا لأن ما ترجم منها ليس بين أيدينا الآن، وكذلك لأنها لم تترجم كلها، ولاسيما كتاب ما بعد الطبيعة: فلم يعد ما ترجم منه – على ما ذكر ابن النديم (في الفهرست، في ترجمة أرسطو) – خمسة كتب (هي الألف الصغرى وحرف مو وحرف نو ومقالة اللام ومقالة الباء). وسيأتي للمؤلف أنه ترجم كله ما عدا كتاب “الكاف”. (المترجم).

[18] لفظ “الجنس” ليس من الألفاظ القرآنية. ولعله منقول عن اليوناني γένος عن طريق السريانية. وتجده مثلا في كتاب المقولات.

[19] يستكثر نظيف [بن أيمن]، مترجم كتاب A من ما بعد الطبيعة(A 9, 990b1 =  ص 112، 5)، من استعمال لفظ “النوع” ترجمة للمثال الأفلاطوني، لاسيما في العبارة οί τάς ίδέας τιθέμενοι.

[20] ميز بونتز في Bonitz, Index aristotelicum، بين أربعة معان: 1- الصورة الخارجية (217b58-258a2)؛ 2- والنوع المنطقي (258a3-b28)؛ 3- والمثال الأفلاطوني (258b29-41)؛ 4- والعلة الصورية (258b42-219a59). ولعله ليس من الغلو في المماحكة الفرق بين الصورة من حيث هي علة، وهو من مفاهيم الطبيعيات، ومن حيث هي مبدأ صوري، على أن يكون هذا من مفاهيم الإلهيات. والفصل Δ 2 من ما بعد الطبيعة إنما هو الفصل نفسه الواقع في السماع الطبيعي II 3, 194b23-195b21؛ وسواء نقله إلى ذلك الموضع أحد القراء، أم كان ذلك من صنيع أرسطو نفسه، فإن في ذلك دليلا على أن “اللفظ” متداول في المجالين، هذا إن كان لابد من الفرق فيه بين المعنيين.

قلت: كتاب السماع الطبيعي من مؤلفات أرسطو، ويسمى أيضا سمع الكيان؛ وهو المسمى بالفرنسية Physique. راجع ترجمة أرسطو في الفهرست لابن النديم وفي إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطي. وقد ترجمنا Métaphysique بالعبارة المتداولة منذ ابن رشد، وهي “ما بعد الطبيعة”، كلما كان المراد الكتاب الذي ألفه أرسطو (وفي الفهرست “كتاب الحروف، ويعرف بالإلهيات”)؛ وقلنا “الإلهيات” ترجمة للفظ نفسه متى كان معناه المبحث الفلسفي المعلوم؛ وهذا الأخير معروف بذلك الاسم منذ عهد بعيد. وكتابما بعد الطبيعة مؤلف من أربعة عشر كتابا، يشار إليها بالأرقام اللاتينية من I إلى XIV، أو بحروف الهجاء اليونانية، وهي على الولاء: Α، α، Β، Γ، Δ، Ε، Ζ، Η، Θ، Ι، Κ، Λ، Μ،Ν . (المترجم).

[21]يجب الإشارة إلى ما يلي: في Z 14, 1039a25، ترجمت هذه العبارة اليونانية: τόις τάς ίδέας λέγουσιν بقوله بالعربي: “للذين يقولون الصور، يعني المثال”؛ وتتجلى فيها النية في الإعلام بأن ίδέα (إيديا، المثال) هو المراد من وراء نلك اللفظة التي استعملت للدلالة على “الصورة”.

[22]في المواضع التالية من ما بعد الطبيعة: في كتاب A، ترجمة نظيف بن أيمن (A 6, 987b8 = ص 65، 9 من نشرة بويج؛ وA 9, 990b23 = ص 119، 2)؛ وفي كتاب Z، ترجمة أسطاث (Z 6, 1031a31 = ص 822، 10)؛ وفي كتاب Δ، ترجمة أبي بشر متى [بن يونس] (Δ 3, 1070a27 = ص 1490، 13)؛ وفي الجدل، ترجمة أبي عثمان الدمشقي (II 7, 113a25 = ص 520، 17، من نشرة بدوي؛ وV 7, 137b3 = ص 616، 11)؛ وغير ذلك.

[23]نشر هذه الترجمة عبد الرحمن بدوي في: في النفسلأرسطو (ومعهالآراء الطبيعيةلفلوطرخس والنباتلأرسطو والحس والمحسوسلابن رشد)، القاهرة، 1954.

[24]في لسان العرب(شبح): “الشبْح والشبَح: الشخص (…) وشَبَحَ لك الشيءُ: بدا”. (المترجم)

[25]في المعجم الوسيط(سنخ): “السنخ: الأصل من كل شيء”. (المترجم)

[26]أسطاث هو الذي ترجم الكتاب H من ما بعد الطبيعة. وهذه هي المواضع المقصودة: 1, 1042a9 (ص 884، 12)؛ 2, 1043a26 (ص 1045، 11)؛ 3, 1043a31 (ص 1053، 6)؛ 6, 1045a29 (ص 1090، 9)؛ 6, 1045b18 (ص 1097، 11).

[27]وهذا ما استكبره وبالغ في إنكاره بعض النقاد، ومنهم بوم في Rudolf Boehm, Das Grundlegende und das Wesentlich: فقد نص على المعنى الأصلي للفظة اليونانية ίδέα عندما ترجمها بقوله: Sicht (الرؤية)، كما ترجمها أيضا مرتينو بقوله Vue (الرؤية) في E. Martineau, La Métaphysique d’Aristote. Le Fondamental et l’essentiel, Paris, 1976.

[28]يحيى بن البطريق من أقدم التراجمة من اليوناني إلى العربي. ولد سنة 770/153 وتوفي سنة 830/215. وكان أبوه يترجم النصوص الطبية. وتعزى إلى يحيى ترجمة نصوص فلسفية، إلا أن نسبتها إليه مشكوك فيها. راجع D. M. Dunlop, “The Translations of al-Biţrîq and Yahia (Yuhanna) b. al- Biţrîq”, Journal of the Royal Oriental Society, 1959, p. 140-150؛ غير أن ناشري النص العربي لهذا الكتاب، لولفس وبرغمن (في H. J. Drossaart Lulofs et J. Brugman, Aristotle, Generation of Animals, Leyde, Brill, 1971)، ينفيان أن يكون هذا ولا ذاك مترجم الكتاب.

قلت: راجع أجزاء الحيوان؛ ففيه أن “كتب الحيوان لأرسطو ترجمت إلى العربية بوصفها كتابا واحدا يقع في 19 مقالة، بغير تقسيمه إلى 1- طباع الحيوان 2- أجزاء الحيوان 3- ولاد الحيوان”. (المترجم)

[29]راجع I 19, 728a17 (= ص 40، 15)؛ وفي I 22, 730b14 (= ص 47، 2) وII 1, 734a32 (= ص 57، 9) ترجم اللفظان في العبارتين اليونانيتين: μορφή καί είδος وείδος καί μορφή على التوالي بالعبارتين العربيتين: “منظر وصورة” و”الصورة والمنظر”.

[30]هذه الكلمة نادرة الاستعمال، ولبعض الناشرين اقتراحات لتصحيحها. وقد وردت في كتاب أثولوجيا المنسوب إلى أرسطو، في IV § 23، ص 59، 5 و6 من نشرة بدوي. والنص العربي يقابله في التساعات، V 8, 2,69، وفيه اللفظتان σχήμα وάσχημον؛ وقد ترجمتا في الموضع الأول بقوله: “الشكل والجبلة” (أهذه ترجمة مضاعفة؟)؛ وفي ترجمتي لويس G. Lewis (ص 379) وروبيو L. Rubio (ص 246) على التوالي: Features وForma.

قلت: أثولوجيا تعريب Theologia، وهو من مؤلفات أفلوطين، وينسب إلى أرسطو؛ وقد نشره عبد الرحمن بدوي في أفلوطين عند العرب. (المترجم)

[31]ولعل منهم إندرس G. Endress؛ فقد اقترح قراءتها “الحِلية” في التساعاتX § 44 = ص 141، 2 من نشرة بدوي (وقد استعملت الكلمة هنا ترجمة للفظ άμορφος في قوله: “ليس له جبلة”)؛ وفي ترجمتي لويس G. Lewis (ص 441) وروبيو L. Rubio (ص 246) على التوالي: Shape وForma.

[32]راجع الفارابي، إحصاء العلوم، ط 2، نشرة عثمان أمين، 1949. وقد جاء فيه أن “الصيغة والصورة والحلية تكاد أن تكون أسماء مترادفة، تدل عند الجمهور على أشكال الحيوان والأجسام الصناعية؛ فنقلت فجعلت أسماء للقوى والأشياء التي منزلتها في الأجسام الطبيعية منزلة الحِلية والصيغ والصور في الأجسام الصناعية على طريق التشبيه” (ص 95، 3-6). والواقع أن لفظ “الحلية” لم يرد في جميع المخطوطات، بل جاء في بعضها “الخِلقة”.

قلت: في إحصاء العلوم(ط مركز الإنماء القومي، ص 34): “الصيغة والصورة والخلقة”، ثم “الخِلَق والصيغ والصور”. وقال المؤلف هنا: “تعطي العربية هنا ثلاثة ألفاظ، هي الحلية والصيغ والصور، وهي جموع مفرداتها الحلية والصيغة والصورة”؛ فجعل – كما ترى – جمع “الحلية” كمفرده. (المترجم)

[33]هذا الجامع هو الكتاب الثالث من المجموع الذي نشره أحمد فؤاد الأهواني تحت عنوان ابن رشد، تلخيص كتاب النفس، القاهرة، 1950، والموضعان المقصودان منه هما ص 128، 19-129، 2؛ وص 139، 23.

قلت: ما اقتبسناه هنا ليس هو كلام إسحق بلفظه، وإنما ترجمنا ما جاء في المتن لأننا لم نظفر بالكتاب المذكور. (المترجم)

[34]راجع O. Bardenhewer, Die pseudo-aristotelische Schrift Ueber das reine Gute… Liber de Causis, Friburg en Brisgau, 1882؛ وقد أعادت طبع هذا الكتاب دار منرفا Minerva، فهو بين أيدي الناس. وذكر صاحبه من أولئك الشراح ألبير الأكبر (ص 247-248)، وكان منهم أيضا توما الأكويني؛ ففي Super librum de causis expositio، وقد نشره سفري H. D. Saffrey, Fribourg-Louvain, 1950 (ص 64، 6-7): Yliatim, id est aliquid materiale vel ad modum materia se habens (قلت: معناه: الحلية، أي المادة، أو مما له مادة. ومعنى الجملة الواقعة في المتن: وللعقل حلية، لأنه جوهر وصورة. المترجم).

[35]راجع النص العربي في الكتاب المذكور قبل (ص 78، 8-11)؛ فالراجح أن الناشر قد التبس عليه الحرفان العربيان الكاف والحاء، فجاء في نشرته “الكلية”، وهو لفظ سيرد فيما بعد، في القضية 27، ص 108، 9، والقضية 29، ص 113، 3، وهو الذي ترجمه اللاتين بقولهم Universitas وUniversalitas؛ وهو أيضا ما في نشرة بدوي (قلت: في ص 27 و30. المترجم)، ولا معنى له في هذا المقام. وكيفما كان فلا يمكن أن يكون هو لفظ “المادة”، على ما توهمه اللاتين، بسبب رسم ذلك اللفظ في الترجمة التي كانت بين أيديهم.

[36]نشر عبد الرحمن بدوي ترجمة عربية لكتاب السماع الطبيعي تحت عنوان: أرسطوطاليس، الطبيعة، القاهرة، 1984.

[37]أحصى ألقينوس (أو ألبينوس) في Alcinoos (ou Albinus), Didasc., VIII 2 (p. 162, 29-31)، وقد نشره لويس وتاكر P. Louis & J. Wittaker، مختلف الأسماء التي حسب أنها تدل عند أفلاطون على معنى “المادة”.

[38]والسور والآيات المقصودة هي: ﴿هو الذي خلقكم من طين﴾ (الأنعام 6، 2)؛ ﴿قال ما منعك ألا تسجد قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ (الأعراف 7، 12)؛ ﴿وإذ قلت للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا﴾ (الإسراء 17، 61)؛ ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ (المؤمنون 23، 12)؛ ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين﴾ (السجدة 32، 7)؛ ﴿إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين﴾ و﴿قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ (ص 38، 71، 76).

[39]السورتان والآيتان المقصودتان هما: ﴿ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله﴾ (آل عمران 3، 49) و﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني﴾ (المائدة 5، 110).

[40]قلت: نص الآية: ﴿وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين﴾. (المترجم)

[41]راجع مثلا Calcidius, in Tim., § 308، ص 309، 4-6 من نشرة وجنك Waszink).

[42]ورد في أرسطو، البرهان، IV 5, 127a14 (ص 577، 14 من نشرة بدوي)؛ وفي السماع الطبيعي، I 4, 188a14 (ص 42، 4 من نشرة بدوي)؛ وفي كتاب نمسيوس الحمصي Némésius, De natura Hominis, 345, 2 في نشرة ماتي Matthaei، وقد استشهد بما جاء في رسالة رومة(9، 20-21) (ولم تنشر بعد ترجمته العربية؛ راجع الحاشية 84 الآتية).

قلت: في رسالة رومة(في الإنجيل، ص 428): “20فأجيب: من أنت أيها الإنسان حتى تعترض على الله؟ أيقول المصنوع للصانع: لماذا صنعتني هكذا؟ 21أما يحق للخزاف أن يستعمل طينه كما يشاء، فيصنع من جبلة الطين نفسها إناء لاستعمال شريف وإناء آخر لاستعمال دنيء”. (المترجم)

[43]قلت: طيماوس من مؤلفات أفلاطون (راجع ترجمته في الفهرست وفي إخبار العلماء بأخبار الحكماء). (المترجم)

[44]رام بعضهم الفرق بين “الهيولى” و”المادة”، فدل بأحدهما على “المادة الأولى” وبالآخر على “المادة الثانية”؛ ولا داعي إلى ذلك. وليس بمحتمل أن يكون ابن سينا قد أقام ذلك الفرق وأوضحه؛ فعنده أن “الهيولى” من لغة الفلاسفة الإغريق وأن “المادة” مرادف له؛ وهو اللفظ الذي يجري به كثيرا قلمه. فلذلك وجب التحرز من الترجمات والحواشي الواردة في A.-M. Goichon, Introduction à Avicenne, son Epître des définitions, Paris, 1933؛ ففيه (في الحد 6، ص 74) أن “الهيولى” = Matière première، و(في الحد 8، ص 81) أن “المادة” = Matière seconde.

قلت: المقصود هنا كتاب الحدود لابن سينا. (المترجم)

[45]نشر هذه الترجمة عبد الرحمن بدوي في: في النفسلأرسطو (ومعهالآراء الطبيعيةلفلوطرخس والنباتلأرسطو والحس والمحسوس لابن رشد)، القاهرة، 1954 (انظر ص 89-188)؛ وهي منسوبة إلى قسطا بن لوقا (ولد سنة 820/205 وتوفي سنة 912/299)؛ وهو ملكائي من أصل يوناني، ترجم قطعة من كتب الرياضيات والفلسفة.

قلت: راجع ترجمته في الفهرست. والملكائية فرقة من فرق النصارى (راجع الملل والنحل، ص 248). (المترجم)

[46]لقد تمكن بويج من معرفة مترجمي ما بعد الطبيعة؛ راجع تصدير نشرته لكتاب ابن رشد تفسير ما بعد الطبيعة، بيروت، 1952، ص CXVIII-CXXIV. والراجح أن أسطاث هو المسمى بالفرنسية Eustathe.

[47]أمثلة ذلك: “المادة” في Λ 3, 1070a9 (= ص 1466، 2 من نشرة بدوي)؛”الهيولى” في 1070a16 (= ص 1467، 1 منها)؛ “المادة” في 1070b12 (= ص 1517، 2 منها)؛ “الهيولى” في 1070b19 (= ص 1517، 8 منها).

[48]راجع Némésius Emesenus, De Natura Hominis، نشرة ماتي Chr. F. Matthaei, Halle, 1802 (وقد أعيد طبعه في Olms, Darmstadt، دون ذكر سنة النشر). والمقطع المقصود في ص 111، 11-14.

[49]لم تنشر بعد الترجمة العربية؛ ويمكن الاطلاع عليها في أطروحة مرقونة (ناقشها صاحبها في أكتوبر 1985)، هي M. Metri Haji-Athanasiou, Le Traité de Némésius d’Emèse de Natura hominis dans la Tradition arabe. وقد قابل ناشرها أربع مخطوطات، هي: A مخطوطة الأب اسباط Sbath بحلب، العدد 1010 (من القرن الرابع عشر، ما عدا الأوراق الثمانية عشر الأولى، فهي من القرن الثامن عشر)؛ B مخطوطة خزانة بطريرقية الأقباط بالقاهرة، العدد 363 (لاهوت 224)، من القرن السابع عشر؛ C مخطوطة خزانة بطريرقية الأقباط بالقاهرة، العدد 332 (لاهوت 225)، وتاريخ نسخها سنة 1744[/1157]؛ D مخطوطة الخزانة الظاهرية بدمشق، العدد 4871 (وتاريخ نسخها سنة 1154[/549]). وهذه الترجمة صحيحة النسبة إلى جرجير النيسي Grégoire de Nysse (من جزيرة نيس! كذا قال ناشره، إذ التبست عليه Νύσση نوسي وνήσος نيسوس). وهذه المخطوطة الأخيرة هي التي اتخذها الناشر أصلا، لأنها أقدمهن جميعا (ولأنه هو من قطان دمشق، فكان في وسعه الاطلاع عليها متى شاء). وقد جرى في تحقيقه على ذكر الفروق بين النسخ، وهي في هذه أحيانا كثيرة أجود وأصح مما في الثلاث الأخر، وأحيانا كثيرة أخرى لا تخالفهن في شيء (هي قراءات حديثة، لكن ليست رديئة). والموضع المقصود هنا في ص 66، 17-67، 2 من الأطروحة.

[50]هذا ما جاء في المخطوطة D.

[51]هذه قراءة المخطوطات A B C.

[52]قلت: في إنجيل متى (ص 32 من الإنجيل): “20قصبةً مرضوضةً لا يَكسر، وشعلةً ذابلةً لا يُطفئ. يثابر حتى تنتصر إرادتي”. وفيه أيضا (ص 481): “54ومتى لبس هذا المائت ما لا يموت، ولبس هذا الفاني ما لا يفنى، ثم قولُ الكِتاب: “الموت ابتلعه النصر”. 55فأين نصرك يا موت؟ وأين يا موت شوكتك؟… 57فالحمد لله الذي منحنا النصر بربنا يسوع المسيح”. (المترجم)

[53]هو الذي ترجم المأخوذات (وهي النص الأرسطي) الآتية (في نشرة بويج): الكتب B، Γ، Δ، Ε، Ζ، Η، Θ، Ι (ليس للكتاب Κ ترجمة عربية)، و Λ ابتداء من 1072b16؛ وإليه ينبغي أن تنسب الترجمة التي في الحواشي Vللكتب ، Β، Γ، Δ إلى 1072b16. وهذه أمثلة تؤيد ذلك: α 2, 994a7 (ص 16، 5 من نشرة بدوي)؛ Γ 2, 1004b33 (ص 330، 13 منها)؛ Λ 6, 1072a6 (ص 1575، 3 منها).

[54]راجع أرسطو، كتاب النفس، I 2, 404b15 (D.-K. 31B109، ص 351، 22)، ص 10، 1 (من نشرة بدوي).

[55]الترجمة التي نشرها عيد الرحمن بدوي في جزأين بالقاهرة سنة 1964 هي ترجمة إسحق بن حنين.

[56]في ما بعد الطبيعة، Λ 10, 1075b7، ص 1720، 11، أحال بويج على ما سماه “القراءات φ” (t. I, Notice, p. CLXXV)، وأن “في نسخة أخرى”: νίκος (نيكوس، عوض νείκος)؛ وνείκος هذه كثيرا ما تترجم بلفظ “الغلبة”؛ فلا يمكن الذهاب إلى أن ذلك ما ورد في النسخ اليونانية كلها (مع أن البيزنطيين كانوا ينطقون بهذه كما ينطقون بتلك). راجع الحاشية المذكورة هنا في ترجمة مرتان A. Martin لكتاب Averroès, Grand Commentateur de la Métaphysique d’Aristote, Paris, Belles-Lettres, 1984, p. 201, n. 4.

[57]والمطبوع نفسه لا يسلم من هذه الأخطاء. ففي ترجمة كتاب النفسTraité de l’âme, Collection des Universités de France, Paris, Belles-Lettres, 1966 (وقد أعيد طبعها سنة 1980)، جاء فيI, 5, 410b9-10أن على “كل بلد” أن يعرف عنصرا من العناصر أو بعضها أو كلها، على أن ذلك نتيجة لازمة من نظرية انبادقليس. وذكر “البلد” هاهنا لا يؤيده ما في النص اليوناني ولا المذهب الذي عرضه أرسطو وانتقده.

[58]نشرت أثولوجيا أرسطو سنة 1882 فيF. Dieterich, Die sogenannte Theologie des Aristoteles, Leipzig وترجمت ونشرت بالعنوان نفسه سنة 1883. ونشر النص العربي في عبد الرحمن بدوي، أفلوطين عند العرب، القاهرة، 1955 (وطبع طبعة ثالثة في الكويت سنة 1977). وترجمه لويس G. Lewis إلى الإنجليزية، وترى ترجمته قبالة بعض الصفحات من كتاب Plotini Opera, éd. P. Henry – H. Schwyzer, Paris – Bruxelles, 1959؛ وله ترجمة إسبانية في L. Rubio, Seudo-Aristoteles Teologia, Madrid, 1978.

[59]في نشرة بدوي، ص24، 7-8؛ وفي ترجمة لويس، ص 229؛ وفي ترجمة روبيو ص 72.

[60]قلت: ما اقتبسناه هنا هو ما جاء في فاتحة كتاب أثولوجيا(ص 4، 7 من نشرة بدوي)؛ ولم يذكر فيها أنه منقول عن السرياني. (المترجم)

[61]راجع F. W. Zimmermann, “The Origins of the So-called Theology of Aritotle” في Pseudo-Aristotle in the Middle-Ages: the Theology and Other Texts, edd. W. F. Ryan & C. B. Schmitt (Warburg Institute Surveys and Texts, no 11), Londres, 1986, p. 110-240.

[62]قد لا يكون هذا البرهان واضحا وضوحا كافيا، إلا أن للغة السريانية رسوما عدة، وليس بين يدي الساعة منها سوى الأسترنجيلو (Estranghelo). [وراجع أيضا Rémi Brague, “La philosophie dans la Théologie d’Aristote, -Pour un inventaire”, Documenti e Studi sulla tradizione filosofica medievale, 8, 1997, p. 365-387. وانظر ص 369، ح 27].

قلت: الأسترنجيلو أقدم أشكال الأبجدية السريانية. قيل: سميت بالاسم الذي كان يطلقه عليها اليونانيون، وهو στρογγύλη (Strongylē، استرنغولي، أي الخط “المدور”)؛ وقيل: اسمها مشتق من اللفظين الساميين: “سطر” (أي كتابة) و”إنجيل”، لأنه بها كان يكتب. وقال دساسي (في Silvestre de Sacy, “Mémoire sur les inscriptions Arabes et Persanes de Tchéhel-Minar”, in Mémoires sur diverses antiquités de la Perse, Paris, 1793, p. 129-130): “والرأي الشائع أن الخط الكوفي اخترع وشرع في استعماله قبيل البعثة. والأصل فيه السريانية القديمة، وهي الأسترنجيلو (Estranghélo)، وقد نشرها في العرب مرار بن مرة (أو مرامر بن مرة)، من أهل العراق، من مدينة الأنبار؛ وكان يسافر إلى الجزيرة العربية لتجارته. وفي عهد الخليفة عثمان عدل هذا الخط رجل عربي من أهل الكوفة؛ فلذلك سمي الخط الكوفي” (وراجع في ذلك ما قاله في الكتابة ابن خلكان في وفيات الأعيان، 3/344، في ترجمة ابن البواب). ولعل هذا القلم هو الذي سماه ابن الدريهم “اصطنكلي” في هذا البيت، وذكر عدد حروفه:

واثنان والعشرون سرياني … واصطنكلي ثم عبراني

راجع مجلةالتاريخ العربي، العدد 50، ص 151. (المترجم)

[63]قلت: هو ما يسمى اليوم “التحقيق”؛ ولابد فيه من الإلمام بتاريخ الورق وغيره وأنواعه وأصناف الأمدة وأفانين الخطوط وغير ذلك. (المترجم)

[64]قلت: شيشرون Cicéron (Marcus Tullius Cicero) سياسي خطيب لاتيني (106-43 قبل الميلاد)؛ كان محاميا؛ وله مرافعات أبانت عن براعته في الخطابة. وسنيكا Sénèque (Lucius Annaeus Seneca) سياسي كاتب فيلسوف روماني (4 قبل الميلاد-65)؛ كان محاميا أيضا؛ وكان معلم الإمبراطور نيرون. وكنتليانس Quintilien (Marcus Fabius Quintilianus) بلاغي لاتيني (30-100)؛ كان وحيد عصره في الفصاحة والبلاغة، وله كتاب في الخطابة. وأغسطين Augustin (Aurelius Augustinus) أسقف أفريقي وأب من آباء الكنيسة (354-430)؛ من أشهر مؤلفاته مدينة الله والاعترافات. وخلقديوس Calcidius (أو Chalcidius) فيلسوف من أتباع الأفلاطونية المحدثة؛ من أهل القرن الرابع؛ له ترجمة لكتاب طيماوس لأفلاطون وشرح عليه، ظلا معتمدين في القرون الوسطى أمدا طويلا. (المترجم)

Comments are disabled

Comments are closed.